بعد 20 عاماً من مطالبات الأطباء المصريين بسن تشريع ينظم المسؤولية الطبية، جاء مشروع قانون "المسؤولية الطبية وحماية المريض" ليثير اعتراضات نقابة الأطباء وعديد من أصحاب "البالطو الأبيض" على مواد حبس الأطباء في حال ارتكاب أخطاء جسيمة، مهددين بتعطيل العمل في المؤسسات الطبية الخاصة، ما دفع الحكومة ومجلس النواب إلى استجابة جزئية بشأن الحبس الاحتياطي، مع التمسك بنصوص أخرى يعترض عليها الأطباء، باعتبار أنه "لا أحد فوق المساءلة".
وينصّ مشروع القانون على معاقبة "مقدّم الخدمة الطبية" الذي يتسبب في وفاة "متلقي الخدمة" بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تتجاوز 100 ألف جنيه (1966 دولاراً أميركياً) أو إحدى العقوبتين، وتزداد العقوبة إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنة، ولا تزيد على 5 سنوات وغرامة 500 ألف جنيه (9831 دولاراً) إذا وقعت الجريمة نتيجة خطأ طبي جسيم، أو إذا كان مقدم الخدمة الطبية متعاطياً مخدراً، وقد تصل العقوبة إلى الحبس 7 سنوات إذا أدى الخطأ الطبي إلى وفاة أكثر من 3 أشخاص. أما في حال حدوث عاهة مستديمة لمتلقي الخدمة الطبية فيعاقب المسؤول بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، وغرامة لا تجاوز 300 ألف جنيه (5898 دولاراً) أو بإحدى العقوبتين.
وعلق الدكتور محمد فريد حمدي، أمين عام نقابة الأطباء، على تعديل مادة الحبس الاحتياطي التي أثارت الجدل بأنه "بدلاً من حذف المادة بالكامل، كان يجب أن ينص على إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا الممارسة الطبية، أما ما حدث فهو حذف المادة بالكامل، ما يعني إمكانية حبس الطبيب وفقاً لـ(القانون العام) الذي يتضمن الحبس الاحتياطي».
ووصف حمدي، في حديث تلفزيوني، التعديل الأخير بأنه "انفراجة قد ينتج عنها حل، لكن لا يمكن القول إننا وصلنا إلى حل". موضحاً أن أزمة الحبس الاحتياطي ستحتاج إلى "مزيد من التفاوضات والحوارات مع أعضاء لجنة الصحة بمجلس النواب". لافتاً إلى أن وجود مواد أخرى تجيز الحبس مثل "عقوبة في حال الخطأ الطبي، سواء كان ناتجاً عن مضاعفات أو خطأ بسيط أو خطأ جسيم".
ووافق مجلس الشيوخ، الغرفة التشريعية الأدنى في البرلمان المصري، الأسبوع الماضي، على مشروع القانون المقدم من الحكومة من دون تعديل، على رغم اعتراض بعض الأعضاء واقتراحهم حذف عقوبة الحبس واستبدالها بالمنع عن مزاولة المهنة.
وحاول وزير الشؤون النيابية محمود فوزي طمأنة مخاوف بعض المطالبين بتعديل مشروع القانون، خلال جلسة مجلس الشيوخ، إذ قال إنه خلال تطبيق قانون العقوبات "لم يتم حبس أي طبيب".
وينظم قانون العقوبات حالياً مسألة الخطأ الطبي، إذ تنص المادة 238 على معاقبة من يتسبب في موت شخص بسبب الإهمال أو عدم مراعاة القوانين بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تجاوز 200 جنيه (3.9 دولار) أو بإحدى العقوبتين.
هل يلجأ الأطباء إلى "الطب الدفاعي"؟
يقول عضو مجلس نقابة الأطباء أحمد سمير إن نقابة الأطباء لا تطلب "اختراع العجلة"، بل تطالب بمحاكاة قوانين المسؤولية الطبية في دول مجاورة، مثل الأردن والإمارات، التي تنص على حبس الأطباء، لكن في حالات الفعل أو الإهمال الجسيم. مشيراً إلى أن تعريف النقابة لذلك هو القيام بمخالفات مثل مزاولة تخصص مغاير أو استخدام وسائل غير مرخصة، أو عدم اتباع إجراءات التعقيم، أو الإجهاض من دون داع طبي، لكن إذا كان الطبيب مؤهلاً ومرخصاً وأخطأ بصورة غير مقصودة، وهو أمر وارد الحدوث، لا يمكن معاقبته بالحبس، ويجبر ضرر المريض بالتعويض المادي.
وأضاف عضو مجلس نقابة الأطباء لـ"اندبندنت عربية"، إن منع خروج القانون بالصورة الحالية التي يصفها بالمشوهة "هدفه حماية الطبيب، وكذلك مصلحة المريض". محذراً من أن التشريع المقدم سيؤدي إلى ممارسة الأطباء الطب الدفاعي، ما سيحول الطبيب "إلى موظف بيروقراطي"، ويضر بالمريض. وفسر مفهوم الطب الدفاعي بأنه اتخاذ الطبيب كل الاحتياطات وإجراء الفحوص اللازمة وغير اللازمة أو إحالة المريض على طبيب أعلى في الرتبة، لكي لا يتخذ قراراً قد يساءل عنه ما قد يعرضه للحبس وفق القانون المقدم من الحكومة.
وبحسب دراسة أعدها مجموعة من العلماء والأطباء المصريين وأعلنتها نقابة الأطباء قبل أسابيع، يمارس ثلث الأطباء المصريين الطب الدفاعي، عبر إجراء فحوص طبية وتشخيصية وعلاجية مبالغ فيها، خوفاً من المساءلة القانونية وقضايا المسؤولية الطبية.
وأظهرت الدراسة أن معظم الأطباء في التخصصات الجراحية، بخاصة في المستشفيات الحكومية، يلجأون إلى الطب الدفاعي، كما أن أغلب الأطباء الذين لجأوا للطب الدفاعي سبق أن تعرضوا لشكاوى قانونية وتهديد بالمقاضاة من جانب المرضى وذويهم. وحذرت الدراسة من أن الفحوص والخطط العلاجية المبالغ فيها ترهق المرضى مادياً وتضرهم.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورصدت "اندبندنت عربية" عدة تدوينات لأطباء على صفحاتهم، وفي مجموعات "فيسبوك"، يتعهدون فيها بعدم إجراء عمليات جراحية خطرة في حال إقرار القانون، خوفاً على مستقبلهم المهني.
وحذر سمير من أنه في حال إقرار القانون بالصورة المقدمة سيسلك الأطباء واحداً من ثلاثة سبل، هي "الهجرة أو ترك المهنة أو ممارسة الطب الدفاعي". موضحاً أن النقابة تعترض على حبس الأطباء احتياطياً لحين نظر اللجنة الطبية في المخالفة، وشبّه الأمر بعدم جواز نظر شكوى مقدمة في أحد النواب من دون رفع الحصانة البرلمانية عنه، مطالباً بأن يتم انتظار قرار اللجنة الطبية العليا، لأنها قد تقرر توقيع عقوبة الغرامة وليس الحبس ما يعني أن مدة حبس الطبيب احتياطياً لم يكن لها داع.
ولوّح عضو مجلس نقابة الأطباء باتخاذ إجراءات تصعيدية "كي ينصت المشرعون والسلطة" لمطالب الأطباء، مثل تعليق العمل في القطاع الخاص. موضحاً أن الخطوات ستكون تصعيدية وستترك لتقدير الجمعية العمومية للأطباء.
وأعلنت النقابة، عبر صفحتها الرسمية، عن الخطوات التصعيدية المطروحة في حال عدم الاستجابة للتعديلات المقترحة، وهي وضع منشورات في المنشآت الطبية الخاصة تشرح للمواطن مطالب الأطباء العادلة، وتعليق العمل بالعيادات الخاصة يوم السبت من كل أسبوع، بدءاً من 18 يناير (كانون الثاني) 2025، إضافة إلى تعليق العمل بالمراكز الطبية والمستشفيات الخاصة عدا الطوارئ يوم السبت أسبوعياً، بدءاً من الأول من فبراير (شباط) 2025.
مطالب النقابة
كانت النقابة قد دعت جميع أطباء مصر إلى الاحتشاد في جمعية عمومية غير عادية في الثالث من يناير المقبل، لإعلان التمسك بالتعديلات في مشروع قانون المسؤولية الطبية، التي تتمثل في قصر الحبس في قضايا الضرر الطبي على مرتكب الإهمال الطبي الجسيم، مثل ممارسة الطب في غير التخصص، ما عدا الطوارئ، وإجراء تدخلات غير مشروعة قانوناً أو وسائل غير مرخصة، وأن تكون المسؤولية عن الخطأ الطبي في حالة حدوث ضرر للمريض هي مسؤولية مدنية فقط.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية