هل تعلم بأنك تسهم بإثراء عدة شركات محتكرة كلما طرحت سؤالاً على "تشات جي بي تي"؟ لا يختلف الأمر كثيراً عند استخدام أي من منافسيه، إذ تعتمد جميعها تقريباً على رقائق من شركة "إنفيديا" التي تُسيطر على مبيعات نحو 92% من مكوّنات متخصصة، تُسمى مسرّعات الذكاء الاصطناعي وهي التي يعتمد عليها تشغيل روبوتات الدردشة.
تعتمد "إنفيديا" بدورها على ثلاثة شركاء لإنتاج أشباه الموصلات، وهي شركات "إس كيه هينكس" (SK Hynix) الكورية الجنوبية و"تايوان سيميكوندوكتور مانوفاكتشرينغ" (TSMC) و"إيه إس إم إل" (ASML Holding) الهولندية. ولكل منها مكانة سوقية لا تقل منعةً عن مكانة "إنفيديا"، إن لم تفقها.
في كثير من القطاعات، كانت هيمنة كهذه تستدعي تدخل هيئات مكافحة الاحتكار ولتهدد بتفكيك مثل هذه الشركات. لكن في قطاع التقنية، لطالما ساد تقبل أن الابتكارات المهمة قد تؤدي لهيمنة بعض الشركات على الأسواق فتتربع على عرشها لسنوات، مدعومةً باقتصاد الحجم.
سبق أن شهدنا هذا مع الحواسيب المركزية والشخصية ومتصفحات الويب ومحركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي وأنظمة تشغيل الهواتف الذكية.
حتى حين انهارت بعض الاحتكارات السابقة، غالباً ما وقع ذلك نتيجة لإطاحة منافساتها بها، وليس بفعل تفكيك الهيئات الرقابية الحكومية لها كما حدث لشركة "ستاندرد أويل".
وقد تواجه شركات الذكاء الاصطناعي لحظة تحول شبيهة بظهور جهاز "أيفون"، بحيث تطيح ابتكارات جديدة بالشركات المهيمنة بين ليلة وضحاها. كما قد يفشل الذكاء الاصطناعي في تحقيق النقلة الاقتصادية الموعودة، ما يضع حداً لهذا السباق المحموم. لكن راهناً، ما تزال احتكارات الذكاء الاصطناعي تتصدر المشهد.
لم يسبق في التاريخ أن كان كل هذا الكمّ الهائل من الأموال مرهوناً بما سيؤول إليه ابتكار ما. فقد تجاوزت القيمة السوقية المشتركة لشركة "إنفيديا" وشريكاتها الثلاث الرئيسيات 4 تريليونات دولار حتى منتصف مارس، وقد شكلت "إنفيديا" وحدها 6% من قيمة مؤشر "ستاندرد آندر بورز" للأسهم الرائدة في الولايات المتحدة، فيما تتصدر شركتا (TSMC) و"إيه إس إم إل" قائمة الشركات الأعلى قيمة في بلديهما. تعتمد هذه التقييمات أساساً على اعتقاد بأن هذه الشركات ستواصل سيطرتها على هذه السوق المتنامية لسنوات.
مع ذلك، أثبتت فورة الذكاء الاصطناعي أنها متقلبة وفوضوية، فيما ينفق منافسو "إنفيديا" ثروات طائلة لتطوير رقائق قادرة على منافسة منتجاتها سرعةً وموثوقيةً.
كيف بدأ الذكاء الاصطناعي؟ اشتهرت "إنفيديا" على مر عقود بمُنتجات مرتبطة بألعاب الفيديو لا الذكاء الاصطناعي، إذ تركزت أعمالها على تصميم وحدات معالجة الرسومات، وهي مكونات تولّد صوراً واقعية في ألعاب مثل "كول أوف ديوتي" (Call of Duty).
تعتمد هذه الوحدات على الحوسبة المتوازية، وهي تقنية تُتيح التشغيل المتزامن لعدة معالجات لحل مشكلات حسابية متعددة بسرعة تفوق الحواسيب التقليدية. لكن قبل نحو عقد، أدرك باحثون ذوو عقلية ريادية أن هذه الرقائق مثالية للتعلم العميق، وهو نوع من الحوسبة يحاكي آلية عمل الدماغ، وأصبح لاحقاً أساس طفرة برامج الدردشة مثل "تشات جي بي تي".
راهن رئيس "إنفيديا" التنفيذي جنسن هوانغ مبكراً على بعض أولئك الباحثين، فقدّم في 2016 مجموعة رقائق بقيمة 129000 دولار إلى شركة "أوبن إيه آي" الناشئة غير الربحية حين كانت مجرد مختبر صغير.
قال جيسون فورمان، أستاذ سياسات الاقتصاد في جامعة هارفرد: "في البداية، كان الأمر أقرب إلى الصدفة، لكنهم استغلوا تلك الصدفة بذكاء شديد".
كانت "إنفيديا" قد طوّرت حينذاك مكتبة برمجية متكاملة لاستخدام رقائق وحدات معالجة الرسومات، تعتمد على لغة برمجة تُسمى الهندسة الموحدة لحوسبة الأجهزة، وأصبحت الوسيلة الحصرية للاستفادة من رقائقها في هذا النوع الجديد من الحوسبة.
نظراً لاعتياد عدد كبير من مهندسي الذكاء الاصطناعي على استخدام الهندسة الموحدة لحوسبة الأجهزة، لم تتمكن الرقائق البديلة، التي طورتها شركات ناشئة ممولة بسخاء، وحتى "جوجل"، من تحقيق اختراق يُذكر في السوق. حتى أن "إنتل" التي كانت يوماً رائدة صناعة الرقائق، لم تستطع مجاراة المنافسة.
في 18 مارس، كشف هوانغ عن أحدث مجموعة من رقائق "إنفيديا" الأقوى، إلى جانب البرمجيات المتصلة بها، تحت اسم "دينامو" (Dynamo)، ووصفها بأنها "نظام تشغيل مصنع الذكاء الاصطناعي".
كيف تعمل رقائق إنفيديا؟ لكي تعمل رقائق وحدات معالجة الرسومات من "إنفيديا" بكفاءة، تحتاج إلى شريحة ذاكرة قوية، وهي دائرة متكاملة تحتفظ بالبيانات أثناء معالجتها. ولهذا الغرض، تعتمد "إنفيديا" على شركة "إس كيه هينكس" الكورية، ولها نحو 80% من سوق الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي الأقوى في هذا المجال.
لطالما طغت "سامسونغ" على "إس كيه هينكس" في السوق الكورية المحلية. لكن في 2019، ابتكر مهندسو "إس كيه هينكس" طريقة جديدة لتغليف رقائق الذاكرة المستخدمة في معالجة البيانات الضخمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بما يحول دون احترارها، ولم تتمكن "سامسونغ" من اللحاق بها حتى الآن.
تصمم "إنفيديا" رقائق وحدات معالجة الرسومات، وهي لا تصنّعها بنفسها كما أنها لا تملك أي مصنع، فهي تُعهّد التصنيع إلى (TSMC) المتخصصة في تصنيع الرقائق بناءً على تصاميم شركات أخرى. ابتكرت (TSMC) نموذج أعمال التصنيع حسب الطلب هذا، ومن حينها، صقلت قدراتها التصنيعية حتى تفوقت على منافساتها بأشواط.
نجحت (TSMC) في اختراق السوق في 2013، حين تحولت "أبل" للاستعانة بها بدل "سامسونغ" لتصنيع مكوّنات أجهزة "أيفون" و"أيباد". وقد حاولت "إنتل" و"سامسونغ" لسنوات دون جدوى كسر قبضة (TSMC) الفولاذية على صناعة الرقائق تحت الطلب. وأعلنت (TSMC) العام الماضي أنها تصنع 99% من مسرّعات الذكاء الاصطناعي عالمياً.
مع ذلك، هي ليست أكبر شركة محتكرة في عالم الذكاء الاصطناعي. فهذا التميز من نصيب شركة "إيه إس إم إل" الهولندية الفخورة بهوسها في التقنية، وتتخذ في مدينة فيلدهوفن مقراً لها. إن "إيه إس إم إل" هي الشركة الوحيدة في العالم التي تنتج الآلات الأكثر تطوراً لصناعة الرقائق، وتعتمد عليها (TSMC) وغيرها من مصنعي أشباه الموصلات وفقاً لمواصفات "إنفيديا" و"أبل".
آلات للطباعة باستخدام الأشعة فوق البنفسجية الشديدة، التي تنتجها "إيه إس إم إل" ويفوق كل منها حجم حافلة، باهظة الثمن إذ تُباع بحوالي 380 مليون دولار. ويستبعد الكثيرون في القطاع أن تستطيع أي من منافساتها أن تضاهيها في المستقبل القريب.
تنفي هذه الشركات عموماً تهم الاحتكار، وبخاصة تصويرها على أنها بلغت مكاناتها المهيمنة جوراً أو أنها تمنع المنافسة. قال متحدث باسم "إنفيديا" إن الشركة تتنافس مع "الموردين التجاريين" ومقدمي خدمات الحوسبة السحابية وشركات الذكاء الاصطناعي. أضاف: "يُقدّر العملاء حلولنا الشاملة ويثمّنون وجود (إنفيديا) في كل سحابة وعلى الأرض لجميع الشركات". وقد رفضت كل من (TSMC) و"إس كيه هينكس" و"إيه إس إم إل" التعليق.
هل الأمر يتعلق باحتكار في مجال الرقائق؟ من حيث الحصة السوقية، نعم. يختلف تعريف الاحتكار حسب القطاع، لكن امتلاك حصة تتجاوز 70% يُعد عموماً احتكاراً في حال وجود عوائق تمنع دخول المنافسين إلى السوق.
لكن ما إذا كانت هذه الشركات تتصرف كاحتكارات تقليدية، فهذا شأن آخر. تصبح الاحتكارات مقلقةً عندما تستغل هيمنتها، فتفرض أسعاراً أعلى على العملاء مثلاً. صحيح أن أسعار الرقائق ترتفع، فقد وصلت أسعار وحدات معالجة الرسومات من "إنفيديا" إلى 90000 دولار للوحدة خلال العامين الماضيين. كما تمكنت "إس كيه هينكس" وغيرها من مصنّعي المكونات الأساسية من رفع أسعارها، ويُعزى قدر كبير من ذلك إلى قلة أو انعدام البدائل المتاحة.
ينعكس غياب المنافسة هذا بوضوح في النتائج المالية. فقد تجاوز هامش الربح الإجمالي لشركة "إنفيديا"، أي نسبة الإيرادات المتبقية بعد خصم تكاليف الإنتاج، 70%. وهذه نسبة مرتفعة جداً حتى لقطاع التقنية، الذي تكون هوامش شركاته أعلى ممّا هي عليه في القطاعات الأخرى. تلي "إنفيديا" مرتبةً مع فارق شاسع مُنافستها "أدفانسد مايكرو ديفايسز" (Advanced Micro Devices)، وهامش ربحها حوالي 50%.
نظرياً، يمكن للشركات التي تضطر لشراء رقائق مكلفة أن تحمّل التكاليف للمستهلكين عبر زيادة أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي، مثل "تشات جي بي تي" أو "مايكروسوفت كوبايلوت"، لكن ذلك لم يحدث بعد. حالياً، يبدو أن عمالقة وادي السيليكون، وهم من يستهلكون وحدات معالجة الرسومات، مستعدون لتحمّل التكاليف الضخمة للحوسبة ليحافظونا على ريادتهم في مجال الذكاء الاصطناعي.
يذهب جلّ إنتاج "إنفيديا"، الذي يشكل نحو 41% من إيراداتها، إلى أربع شركات هي "مايكروسوفت" و"جوجل" و"أمازون" و"ميتا"، بحسب تحليل بلومبرغ لسلسلة الإمداد. وقد أبلغت جميع هذه الشركات مستثمريها بأنها لا تستطيع جمع وحدات معالجة رسومات كافية وافية لتبني مراكز بيانات تكتظ بهذه الوحدات لتلبي الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي. كما لم تدّر الوحدات التي حصلت عليها حتى الآن عائداً كافياً على استثماراتها في مجالات الحوسبة السحابية والإعلانات. مع ذلك، يبدو المساهمون مستعدين للانتظار بغرض تحقيق الربح المنشود.
لا يعني هذا أن العملاء راضون بهيمنة "إنفيديا" على السوق. فهم يخوضون سباقاً ليصنعوا رقائقهم، أقلّه لتخفيف اعتمادهم على خدمات الشركة. تعمل "أمازون" مثلاً على صنع رقائق مصممة بما يناسب حاجاتها، فيما تساعد "مايكروسوفت" شركة " أدفانسد مايكرو ديفايسز" على التوسع نحو مسرعات الذكاء الاصطناعي.
كما ترسل "أوبن إيه آي" تصاميم رقائق إلى شركة "TSMC" لتنتجها لصالحها فتتمكن من تخطي "إنفيديا". في ظل هذا الواقع، يصبح خطراً على "إنفيديا" أن تغضب كبار عملائها بالمبالغة في أسعار منتجاتها.
صحيح أن موردي "إنفيديا" ربما يملكون حصصاً سوقية مهيمنة، لكن هذا لا يعني أنهم يملكون بالضرورة قوةً احتكارية. على سبيل المثال، كانت "إس كيه هينكس" تقريباً المورد الوحيد لأحدث رقائق (HBM3E) لمعظم 2024. لكن في الوقت ذاته، كانت "إنفيديا" أهم عميل لها بفارق كبير عمّا سواها، ما يجعل ميزان القوى أكثر توازناً.
لكن "سامسونغ" و"مايكرون تكنولوجي" (Micron Technology) الأميركية، منكبتان على إنجاز رقائق منافسة، لذا لم يكن لدى "إس كيه هينكس" حافز لفرض أسعار مبالغ فيها على "إنفيديا". تلقت "سامسونغ" و"مايكرون" لاحقاً موافقة "إنفيديا" على رقائق (HBM3E) التي أنتجتاها.
هل يمكن للاحتكارات أن تدوم في مجال التقنية؟ تدوم الاحتكارات في قطاع التقنية لوقت طويل عادةً. كانت شركة "آي بي إم" تهيمن على البطاقات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg