في ظل تصاعد الحرب التجارية، تواجه صناعة السيارات الأميركية خطراً حقيقياً قد يتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار وانخفاض الأرباح.. فمع اقتراب فرض رسوم جمركية جديدة على السيارات المستوردة، يلوح في الأفق تهديد مباشر لآلاف الوظائف، ما يثير قلق العاملين في القطاع والمستثمرين على حد سواء.. وبينما تؤكد إدارة ترامب أن هذه الخطوة ستعيد الصناعة إلى الداخل الأميركي يحذر الخبراء من تداعيات قد تكون مدمرة لسلسلة التوريد والإنتاج، وهو ما قد يعكس النتائج المتوقعة تماماً.
يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن هذه الرسوم ستعيد تشكيل الصناعة، ما سيدفع الشركات إلى نقل إنتاج السيارات وقطع الغيار إلى المصانع الأميركية.. ومع ذلك، يرى الخبراء أن تحقيق ذلك قد يستغرق سنوات، هذا إن حدث أصلاً.. وفي الوقت الحالي، ستؤثر هذه الرسوم على إنتاج السيارات وقطع الغيار في الولايات المتحدة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); }); سلسلة التوريد العالمية في خطر
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); }); يعتمد قطاع السيارات على سلسلة توريد معقدة تمتد عبر عدة دول.. حتى لو أُغلقت مصانع التجميع في المكسيك وكندا بسبب فقدانها الوصول إلى السوق الأميركية، فإن ذلك سيؤثر سلباً على الموردين الأميركيين الذين يزودون هذه المصانع بقطع الغيار، كما أن بعض السيارات المصنعة في الولايات المتحدة مخصصة للتصدير إلى كندا والمكسيك، ما يعني أن أي اضطراب قد يدفع شركات السيارات ومورديها إلى خفض الإنتاج، وهو ما يؤدي إلى خسارة الوظائف الأميركية.
يقول باتريك أندرسون، رئيس مجموعة أندرسون الاقتصادية في ميشيغان: «شركات صناعة السيارات في مأزق خطير، وسيتعين عليها اتخاذ قرارات صعبة بشأن ما يجب الاستمرار في إنتاجه وما يجب التوقف عنه.. نتوقع أن تؤثر هذه الرسوم الجمركية على الوظائف في جميع أنحاء الولايات المتحدة».
وأضاف أندرسون أن الخسائر لن تقتصر على وظائف التصنيع فحسب، بل قد تمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بصناعة السيارات مثل وكالات البيع والنقل.
ترامب يعد بزيادة الوظائف في قطاع السيارات
تصر إدارة ترامب على أن الرسوم الجمركية ستكون إيجابية في نهاية المطاف للوظائف الأميركية، حيث يتوقع الرئيس «نمواً هائلاً» في قطاع السيارات الأميركي.. ووفقاً لترامب، ستستجيب الشركات بسرعة عبر نقل الإنتاج إلى المصانع الأميركية بتكاليف منخفضة نسبياً.
وقال ترامب عند إعلانه عن الرسوم الجمركية: «سيؤدي هذا إلى بناء العديد من مصانع السيارات.. سترون أرقاماً غير مسبوقة من حيث التوظيف، وسيكون هناك العديد من الأشخاص يصنعون الكثير من السيارات».
حتى رئيس اتحاد عمال السيارات «شون فاين»، الذي يُعرف بانتقاده لترامب، أشاد بهذه الخطوة، حيث قال في بيان: «يمكن أن تؤدي هذه الرسوم إلى إعادة آلاف الوظائف ذات الأجور الجيدة إلى المجتمعات العمالية في الولايات المتحدة خلال أشهر قليلة، وذلك ببساطة عن طريق إضافة ورديات أو خطوط إنتاج جديدة في عدد من المصانع التي تعاني من ضعف التشغيل حالياً».
ومع ذلك، فإن نقل معظم الإنتاج من المكسيك وكندا إلى الولايات المتحدة قد يستغرق سنوات، إذ إن العديد من خطوط التجميع في هذين البلدين تصنع طرازات غير متوفرة في المصانع الأميركية.. وبالتالي، فإن بناء مصانع جديدة أو تعديل المصانع الحالية قد يكون ضرورياً، وهو أمر غير مضمون حتى لو قررت الشركات القيام به.
قلق متزايد بين العاملين في القطاع
بينما يعرب بعض عمال السيارات عن تفاؤلهم حيال إمكانية عودة الوظائف، فإن آخرين يشككون في وعود ترامب.
يقول إسحاق غودارد، العامل في مصنع «راوسنفيل» التابع لشركة فورد في ميشيغان: «أنا أثق في العملية، استعدوا لإعلانات من فورد و(الثلاثة الكبار) حول إعادة الوظائف والمصانع إلى أميركا قريباً».
لكن جيمس سنو، وهو موظف في قسم قطع الغيار بشركة «ستيلانتيس» منذ 27 عاماً، يرى أن التعريفات الجمركية قد لا تكون مفيدة بالقدر المتوقع: «هناك من يعتقد أنها جيدة وسترفع مبيعاتنا، لكنني أعتقد أنها لن تكون ذات تأثير كبير، خاصة أنها ستؤدي إلى رفع أسعار قطع الغيار».
أما جون هاتلاين، الذي تقاعد مؤخراً بعد 50 عاماً من العمل في جنرال موتورز، فيرى أن هذه الرسوم «لن تكون جيدة لقطاع السيارات على الإطلاق».
وقال: «ستؤدي هذه الرسوم إلى رفع أسعار المركبات، ما سيبطئ عمليات الشراء، ويؤدي في النهاية إلى تسريح العمال وتقليل ساعات الإنتاج، ما سيؤثر سلباً على أجور عمال السيارات».
الوظائف مهددة بسبب تقلص الإنتاج
تفضل شركات السيارات عدم التعليق على خططها المستقبلية، كما أن اتحاد مصنعي السيارات لم يقدم تقديرات رسمية بشأن الوظائف المعرضة للخطر.
لكن هذه الرسوم الجمركية قد تعطل نموذج عمل القطاع في أميركا الشمالية، حيث تعمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك كسوق واحدة منذ عقود، فقد تم تصدير 61% من السيارات التي تم تصنيعها في المكسيك العام الماضي -والتي بلغ عددها 4 ملايين سيارة- إلى الولايات المتحدة، بينما تم إرسال 86% من السيارات المصنعة في كندا، والبالغ عددها 1.3 مليون سيارة، إلى الأسواق الأميركية، ولكن جميع هذه المركبات تحتوي على نسبة كبيرة من الأجزاء المصنوعة في الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات التجارة الفيدرالية، بلغت قيمة صادرات قطع الغيار الأميركية إلى المكسيك وكندا 35.8 مليار دولار و28.4 مليار دولار على التوالي خلال العام الماضي.
يعمل نحو 550 ألف موظف في قطاع توريد قطع غيار السيارات في الولايات المتحدة، أي ما يقارب ضعف عدد العمال في مصانع تجميع السيارات، وقد تضطر بعض هذه الشركات إلى خفض أعداد الموظفين إذا أُغلقت المصانع الكندية والمكسيكية، حتى ولو بشكل مؤقت.
كما أن الرسوم الانتقامية المحتملة من كندا والمكسيك على السيارات الأميركية ستزيد الأسعار للمشترين في كلا البلدين، ما قد يؤثر سلباً على الإنتاج الأميركي والوظائف المحلية، فقد صدّرت الولايات المتحدة ما يقارب مليون سيارة إلى كندا والمكسيك العام الماضي، وهو ما يمثل 15% من إجمالي 10.2 مليون سيارة تم إنتاجها محلياً.
تتوقع شركة «كوكس أوتوموتيف» أن تؤدي الرسوم الجمركية الجديدة، المقرر تنفيذها في 3 أبريل، إلى انخفاض الإنتاج في أمريكا الشمالية بنسبة تتراوح بين 10% و20%، وإذا امتدت الرسوم لتشمل قطع الغيار الكندية والمكسيكية، فقد يصل التراجع إلى 30%.
ويؤكد جون بوزيلا، الرئيس التنفيذي لتحالف الابتكار في صناعة السيارات، أن الصناعة تحتاج إلى وقت للتكيف مع مثل هذه التغيرات الجذرية.
وقال في بيان: «نحن ملتزمون بالبناء والاستثمار في الولايات المتحدة، ولكن لا يمكن إعادة توجيه هذه المصانع وسلاسل التوريد الهائلة بين ليلة وضحاها، فالرسوم الإضافية سترفع التكاليف على المستهلكين الأميركيين، وتقلل من إجمالي عدد السيارات المبيعة داخل الولايات المتحدة، وتخفض الصادرات الأميركية، وكل ذلك قبل أن يتم إنشاء أي مصانع جديدة أو خلق وظائف في هذا البلد».
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية