في خطوة تستهدف أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني، أعلنت المملكة العربية السعودية عن حزمة من التشريعات والإجراءات الجديدة التي تهدف إلى ضبط السوق عن طريق رفع المعروض العقاري وتبني سياسات تكافح السلوكيات الاحتكارية وصولاً إلى تحقيق استقرار يخدم جميع أطراف السوق من مواطنين ومقيمين، من مستهلكين ومستثمرين على حد سواء. هذه المنظومة المتكاملة في التشريعات، التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تعكس توجهاً استراتيجياً لتطوير هيكلة القطاع بما يعزز من كفاءته واستدامته.
تشريعات تعيد توازن السوق
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); });
من أبرز ما جاء به القرار الأخير، رفع الإيقاف عن التصرف في أراضٍ داخل مدينة الرياض مجموع مساحتها نحو 81.48 كيلومتر مربع، ما يمهّد الطريق لتوفير معروض عقاري جديد يخفف الضغط على الأسعار.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); }); وكما أعلن أيضاً عن خطة لتوفير ما بين 50 إلى 200 ألف قطعة أرض سكنية مطوّرة خلال السنوات الخمس المقبلة، بأسعار ميسّرة، وضمن شروط تضمن استقرار السوق دون الإضرار بالمستثمرين، تحرص فيها أيضاً على التحكم في ارتفاع تكاليف الإنشاءات للمباني السكنية وجودتها!
ومن المنتظر الإعلان عن تعديلات جديدة خلال 90 يوماً القادمة على نظام رسوم الأراضي البيضاء، تهدف إلى تحفيز التطوير وزيادة المعروض ضمن الخريطة العقارية للمدن الرئيسية ومكافحة السلوك الاحتكاري بالقطاع.
وهنالك تساؤلات بهذا الخصوص عن إمكانية الاتجاه إلى نماذج معمول بها بالأسواق العقارية المجاورة كالقانون الكويتي على سبيل المثال -وهو الأكثر صرامة بين دول مجلس التعاون الخليجي- رقم 126 لسنة 2023 م والذي يفرض رسوم سنوية لأي صك لأرضٍ سكنية أو مجموعة أراضٍ سكنية مطورة تزيد مساحتها على 1500 متر مربع وبمبلغ 10 دنانير كويتية للمتر المربع (122 ريالاً تقريباً) ويرتفع 30 ديناراً بشكل سنوي حتى يصل إلى 100 دينار كويتي (1220 ريالاً تقريباً) وهو لا شك أعلى بكثير من رسوم الأراضي البيضاء المعمول به بالمملكة والذي يمثل نسبة 2.5% من قيمة الأرض الخاضعة للرسوم.
الاهتمام بالتنظيم لم يقتصر على سوق البيع والشراء فقط، بل شمل أيضاً سوق الإيجارات، حيث يُجرى العمل على تطوير تشريعات تحكم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، بما من شأنه الحد من التضخم والزيادات السريعة في أسعار الإيجارات، وتعزيز الاستقرار في هذا الجانب الحيوي من القطاع.
التأثير الاقتصادي الأوسع.. سيولة تتحرك وقطاعات تنتعش
تحقيق التوازن في أسعار العقار لا يقتصر على تسهيل التملك، بل ينعكس على الاقتصاد الكلي بشكل مباشر؛ فعندما تستقر الأسعار وتتراجع وتيرة المضاربة، من المتوقع أن تتحرر سيولة كبيرة كانت تُخصّص لشراء العقارات بأسعار مرتفعة، وتُعاد هذه السيولة إلى الدورة الاقتصادية عبر إنفاق أكثر تنوعاً ونفعاً للاقتصاد ولعل هذا أحد ما تستهدفه هذه القرارات بناء على حديث معالي وزير الاقتصاد الأستاذ فيصل الإبراهيم تعليقاً على هذه التشريعات.
أحد أبرز المستفيدين من هذا التغير هو قطاع التمويل والبنوك، لا سيما في ظل التوقعات بخفض أسعار الفائدة من الفيدرالي الأميركي، وما لذلك من انعكاسات على السياسة النقدية المحلية، تتسابق البنوك السعودية في توسيع محافظ الإقراض لديها خاصة تلك التي تستهدف الأفراد.
وبحسب إحصاءات البنك المركزي، بلغ حجم محفظة البنوك للإقراض العقاري للأفراد في عام 2024 نحو 681.24 مليار ريال سعودي، محققاً نمواً سنوياً قدره 12.19%.
وبعد بدء دورة خفض الفائدة في سبتمبر 2024، سجّل متوسط النمو الشهري في التمويل العقاري السكني الجديد ارتفاعاً ملحوظاً بلغ 64% حتى نهاية شهر ديسمبر 2024، ومنذ بداية هذا العام تراجع عدد عقود التمويل السكني العقاري الجديد للأفراد عطفاً على تغير التوقعات وحالة عدم التأكد للسياسات النقدية المتبعة على المستوى العالمي؛ ما يعزز أهمية هذه التشريعات وتوقعات بدعمها للطلب على قطاع التمويل العقاري، خاصة أنها ستسهم بشكل أو بآخر في تقليل مخاطر الائتمان على المنتجات العقارية نتيجة لاستقرار واستدامة السوق.
كما يتوقّع أن يشهد قطاع الإنشاءات ومواد البناء، وعلى رأسه شركات الإسمنت، انتعاشاً مع زيادة المعروض من الأراضي السكنية وتوسّع مشاريع التطوير، خاصة في مدينة الرياض.. هذا النشاط يعزّز الطلب على منتجات شركات الإسمنت (خاصة تلك التي تستحوذ على الحصص السوقية لمدينة الرياض) والتي هي بحاجة إلى نمو الطلب من القطاع السكني للأفراد، في وقت تسعى فيه لتخفيف الضغط على هوامش الربحية وسط توقعات بارتفاع التكاليف.
ولا يتوقف الأثر عند القطاعات التمويل والبنوك والإنشاءات فقط، بل يمتد إلى قطاعات التأمين على المنازل، والمستشفيات خاصة تلك التي تتوزع جغرافياً بالقرب من مناطق رفع إيقاف التصرف والمناطق المتوقع أن يتم توفيرها والمذكورة بالقرار.. وتستفيد أيضاً القطاعات الاستهلاكية الأخرى كالتعليم والسياحية والترفيه وقطاعات التجزئة من تحرّر السيولة من القطاع العقاري ما يفتح آفاقاً جديدة للنمو، ويدفع الاقتصاد نحو تنوّع أكثر في مصادر الدخل والطلب المحلي.
خاتمة
تمثّل التشريعات العقارية الجديدة منظومة متكاملة لبناء سوق واقتصاد أكثر توازناً واستدامة، يخدم المستهلكين والمستثمرين على حد سواء، ويحفّز دخول رؤوس الأموال في بيئة تتسم بالوضوح والاستقرار.
وكما قد لا يخفى على المتلقي، فإن النمو في قطاعات الاقتصاد ككل يُعدّ من الركائز الأساسية لاستقرار الطلب على القطاع العقاري، ما يخلق عامل جذب للاستثمارات، ويعزز قدرة المستثمرين على العمل في أسواق متقدمة، واعدة، وواضحة المعالم.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية