مع إعادة مدن العالم العربي النظر في نماذجها الاقتصادية، لم تعد الحياة الحضرية محصورة بساعات النهار. فقد باتت الفعاليات التي تشمل الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الممتدة من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، أحد المحركات الدافعة للنمو، والتنويع الاقتصادي، وتحسين جودة الحياة في المدن الحديثة.
وفي دول الخليج، لا تتوقف الحركة الاقتصادية مع غروب الشمس، وتتحرك المدن الكبرى بخطى متسارعة لتكون في طليعة هذا التحول العالمي، مدفوعة بعوامل اقتصادية وديموغرافية ومناخية، إلى جانب رؤى تنموية طويلة المدى تسعى إلى تعزيز جاذبيتها العالمية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
عالمياً، تؤكد الأرقام جدوى هذا التوجه. إذ يضخ اقتصاد المساء في مدينة نيويورك أكثر من 35 مليار دولار سنوياً ويوفر نحو 300 ألف وظيفة، بينما يسهم في لندن بنحو 26 مليار جنيه إسترليني، أي ما يقارب 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم أكثر من مليون وظيفة. وقد أصبحت هذه المؤشرات مرجعاً لصناع القرار في العواصم العربية، التي تنظر إلى النشاط الليلي كفرصة لتنشيط السياحة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحيوية الاقتصادية والثقافية للمدن.
من دبي للرياض.. الخليج يدخل عصر التوصيل بالطائرات المسيّرة والروبوتات
رفع كفاءة المدن وتنويع النمو
غير أن أهمية هذا الاقتصاد لا تكمن فقط في حجم الإنفاق أو عدد الوظائف، بل في كونه أداة فعّالة لرفع كفاءة المدن الاقتصادية. فتمديد النشاط إلى ساعات الليل يعني زيادة العائد على البنية التحتية القائمة، من طرق ومطارات ومرافق عامة، دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة جديدة. وبذلك يتحول «الوقت» نفسه إلى أصل اقتصادي، تُعاد من خلاله هيكلة الإنتاجية الحضرية وتعظيم الاستفادة من الأصول غير المستغلة بعد غروب الشمس.
المدن الخليجية لا تتعامل مع النشاط المسائي بوصفه امتداداً ترفيهياً فقط، بل كجزء من استراتيجيات تنويع اقتصادي، واستقطاب استثماري، وإعادة تشكيل صورة المدينة عالمياً.
ومن هذا المنظور، يتحول اليوم إلى مساحة تنافسية تعكس قدرة المدينة على الجمع بين الجاذبية السياحية والكفاءة التشغيلية والحيوية الاجتماعية.
دبي ترسخ ريادتها الإقليمية
تتصدر دبي المشهد الخليجي، حيث يحقق هذا القطاع نحو 7.2 مليار درهم سنوياً. ويعكس ذلك استراتيجية الإمارة طويلة الأمد في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للسياحة والترفيه. فقد ارتفعت إيرادات الفنادق بنسبة 10.5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024 لتصل إلى 8.77 مليار درهم، مدعومة باستقبال 9.31 مليون زائر دولي خلال الفترة ذاتها.
وتبرز أنماط الإنفاق أهمية النشاط على مدار اليوم في نموذج دبي السياحي، إذ يبلغ متوسط إنفاق السائح نحو 1,200 درهم في الليلة، فيما قد يتجاوز إنفاق فئة أصحاب الثروات العالية جداً 5,000 درهم، مدفوعاً بالمطاعم الفاخرة، والتسوق، والفعاليات، والأنشطة الترفيهية التي تزدهر بعد غروب الشمس.
عروض فعالية «ديزني على الجليد» الترفيهية في الرياض، السعودية، 24 أغسطس 2022.
أبوظبي ونهج التنوع الثقافي
تتبنى أبوظبي نموذجاً أكثر تنوعاً، يدمج بين الثقافة والترفيه والرياضة لتعزيز اقتصادها. وسجلت الإمارة نمواً بنسبة 26% في أعداد الزوار الدوليين، مستقبلة 4.8 مليون نزيل فندقي بين يناير وأكتوبر 2024. ووفرت «جزيرة ياس» معدل إشغال صيفي بلغ 83%، مع زيادة بنسبة 29% في أعداد الزوار الدوليين.
وتشكل الفعاليات العالمية ركناً أساسياً في هذا التوجه، إذ حقق سباق «جائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1» إنفاقاً للزوار تجاوز 1.16 مليار درهم في عام 2023، ما يؤكد العوائد الاقتصادية الكبيرة للفعاليات الليلية ذات الطابع الدولي ودورها في ترسيخ مكانة المدينة على خريطة السياحة العالمية.
الرياض وتحول السعودية الليلي
في المملكة العربية السعودية، تمثل الفعاليات الليلية أحد المحاور الرئيسية لـ«رؤية 2030». ومن المتوقع أن يضخ قطاع الترفيه وحده أكثر من 23 مليار دولار في الاقتصاد بحلول عام 2030، بينما تشير التقديرات إلى أنها قد تحقق ما بين 90 و100 مليار ريال سنوياً، مضيفة نحو 0.4 إلى 0.5% إلى الناتج المحلي غير النفطي، فقط من خلال تمديد الفعاليات للفترة المسائية.
ويُعد «موسم الرياض» أحد أبرز محركات هذا التحول، حيث ارتفعت أعداد الزوار الدوليين بنسبة 47.6%. وشهد الربع الأخير من عام 2024 حضور أكثر من 500 ألف حامل لبطاقات «فيزا» من مختلف دول العالم، مع ذروة حركة الزوار بين الساعة الثامنة مساءً والثانية صباحاً، ما يعكس انتقال مركز الثقل الاقتصادي للمدينة إلى ساعات المساء.
أما جدة، فتشهد زخماً متصاعداً في السياحة، إذ ارتفع إنفاق الزوار الدوليين بنسبة 29.5% في الربع الأول من عام 2025 ليصل إلى 2.4 مليار ريال. وبالاقتران مع مكة المكرمة والمدينة المنورة، تشكل جدة محوراً سياحياً يستقطب نحو 60 مليون زائر سنوياً، ما يعزز أسس اقتصاد يرتبط بالسياحة الدينية والثقافية والترفيهية في آن واحد.
«مطار دبي» يستعد لاستقبال 10مليون مسافر مع نهاية العام
فرص العمل والحوكمة المستقبلية
أصبح المساء محركاً مهماً لتوليد فرص العمل في المنطقة، لا سيما للشباب والنساء. ففي السعودية، من المتوقع أن تسهم التعديلات التنظيمية التي تسمح بتمديد ساعات العمل الليلية في إيجاد نحو 45 ألف وظيفة مباشرة في قطاعي المطاعم والتجزئة، إلى جانب 20 ألف وظيفة غير مباشرة.
غير أن بناء اقتصاد مستدام يتطلب تخطيطاً حضرياً متكاملاً، لا يقتصر على الفعاليات الموسمية. ويعد ضمان السلامة العامة حجر الأساس، ما يدفع المدن الخليجية إلى الاستثمار في أنظمة المراقبة الذكية، والإضاءة المتقدمة، وحلول الأمن المتكاملة. كما يشكل النقل الليلي الفعّال عنصراً أساسياً لضمان سهولة التنقل واستمرارية النشاط بعد ساعات النهار.
إلى جانب ذلك، تسهم التكنولوجيا بدور متزايد في دعم هذه النشاطات، من خلال أنظمة الدفع الرقمية، ومنصات الطلب الذكية، والخدمات القائمة على البيانات، بما يعزز الكفاءة وتجربة المستخدم. وفي الوقت ذاته، تتجه المدن إلى تبني نماذج ليلية مستدامة تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية، وتوازن بين الحيوية الاقتصادية وجودة الحياة.
في المحصلة، هذا التحول لا يمثل ترفاً حضرياً أو اتجاهاً مؤقتاً، بل خياراً استراتيجياً للمدن العربية التي تواجه تحديات مشتركة، من ارتفاع درجات الحرارة، إلى بطالة الشباب، وضغوط تنويع مصادر الدخل. فالمدن التي تنجح في تنظيم ساعات عملها لا تزيد إنفاقها فقط، بل تعزز إنتاجيتها، وتوسع قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية، وتعيد تعريف علاقتها بالزمن الحضري.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

