ثلاثة رواد للدرونز حولوا السماء إلى ساحة تحكم عن بُعد ابتكارات غيرت قواعد #الطيران.

لم تعد السيطرة على السماء تعتمد فقط على الطائرات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة والتحكّم عن بُعد. طائرات مسيّرة، أقمار صناعية، وأنظمة ذكية تُدار من أماكن بعيدة، وتلعب دورًا مهمًا في المراقبة والاتصال وحتى الأمن. هذا التطور جعل السماء مجالًا تتنافس عليه دول وشركات تمتلك أدوات التحكّم والتقنية، لتصبح القوة اليوم في يد من يعرف كيف يدير هذه الوسائل الحديثة ويستخدمها بذكاء.

نستعرض في هذا التقرير ثلاثة من أبرز ملوك التحكّم عن بُعد، الذين يفرضون سيطرتهم على السماء عبر الطائرات المسيّرة، مستفيدين من التطور التكنولوجي في توجيهها وإدارتها من مسافات بعيدة.

فرانك وانغ.. إمبراطور "الدرونز" المدنية بدأت علاقة الصيني فرانك وانغ بالطائرات في سن مبكرة، حين كان يقضي طفولته بين الكتب التي تتناول نماذج الطائرات، مدفوعًا بشغف مبكر بالطيران والتحكّم. وفي سن السادسة عشرة، حصل على طائرة هليكوبتر تُدار عن بُعد بعد تفوقه الدراسي، لكن تحطّمها السريع واضطراره للانتظار أشهر للحصول على قطع غيارها شكّل تجربة مفصلية أثرت في مسار حياته، وزرعت لديه الرغبة في تطوير طائرات يمكن لأي شخص التحكم بها بسهولة.

ومع بحثه عن تعليم يتوافق مع حلمه، التحق بجامعة شرق الصين للمعلمين لدراسة الهندسة الكهربائية، لكنه سرعان ما أدرك أن البرنامج لا يوفّر الأدوات التي يحتاجها لصنع طائراته، فترك الدراسة في سنته الثالثة وقدم طلبات التحاق لجامعات مرموقة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ستانفورد، لكنها جميعًا رفضته. وفي النهاية، قبلته جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا لدراسة الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب، لتكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو تأسيس شركته الثورية DJI.

في جامعة هونغ كونغ، واصل وانغ اهتمامه الأكاديمي والعملي، وحصل لاحقًا على درجتي البكالوريوس والماجستير في العلوم. وفي عام 2006، ومن غرفة سكنه الجامعي، أطلق شركته الناشئة DJI، واضعًا الأساس لشركة ستصبح أكبر مصنع للطائرات المسيّرة المدنية في العالم.

ركز وانغ في سنواته الأولى على تحسين الأداء والدقة، وقضى وقتًا طويلًا في تطوير أنظمة التثبيت (Gimbals)، التي أحدثت نقلة نوعية في التصوير الجوي. وأسفر هذا الجهد عن إطلاق طائرة Phantom، التي سرعان ما أصبحت منتجًا أيقونيًا بفضل سهولة استخدامها وسعرها التنافسي البالغ نحو 1000 دولار للطائرة، ما جعل الطائرات المسيّرة متاحة لشريحة واسعة من المستخدمين حول العالم.

تحوّلت DJI بسرعة إلى لاعب رئيسي في السوق العالمية، وأسهمت في ترسيخ موقع الصين كقوة رائدة في مجال الطائرات المسيّرة الاستهلاكية، حيث استحوذت الشركة على أكثر من 70% من الحصة السوقية العالمية للدرونز المدنية، وتجاوزت حصتها في السوق الصينية ثلثي المبيعات، فيما تمثل 77% من مبيعات الطائرات المسيّرة الاستهلاكية في أمريكا.

تتخذ DJI من شنتشن مقرًا لها، وتعمل في الأمريكتين وأوروبا واليابان وهونغ كونغ والصين، ويعمل فيها أكثر من 14,000 موظف، لتصبح واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا المتخصصة في الطائرات المسيّرة على مستوى العالم.

اليوم، يبلغ فرانك وانغ 45 عامًا، وتُقدّر ثروته الصافية بنحو 5.1 مليار دولار، ليصنّف كأول ملياردير جمع ثروته من صناعة الطائرات بدون طيار. ومع هذا النفوذ المتنامي، دخلت DJI دائرة الاهتمام السياسي، خاصة بعد إدراجها عام 2022 ضمن قائمة الشركات العسكرية الصينية العاملة في الولايات المتحدة الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية.

سلجوق بيرقدار.. صانع "القوى العظمى" الجديدة يُقدّر صافي ثروة سلجوق بيرقدار بنحو 1.8 مليار دولار، ويملك 52.5% من شركة بايكار التركية المتخصصة في تصنيع الطائرات العسكرية بدون طيار، حيث يشغل منصبي رئيس مجلس الإدارة وكبير المسؤولين التقنيين. تحت قيادته، حققت الشركة مبيعات بقيمة 1.9 مليار دولار عام 2023، وارتفعت صادراتها إلى 1.8 مليار دولار عام 2024، بفضل العقود مع جيوش أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. وأشهر منتجات الشركة، طائرة بيرقدار المسيّرة، حازت شهرة عالمية بعد نجاحها في العمليات العسكرية، خاصة في أوكرانيا.

ولد بيرقدار في ساريير بإسطنبول عام 1979، وتخرج من كلية روبرت عام 1997 قبل أن يحصل على البكالوريوس في هندسة الإلكترونيات والاتصالات من جامعة إسطنبول التقنية عام 2002. واصل دراسة الماجستير في الهندسة الكهربائية وهندسة النظم بجامعة بنسلفانيا بين 2002 و2004، حيث ركز على أبحاث التحكم في الطائرات بدون طيار وتنسيق الروبوتات. حصل لاحقًا على ماجستير ثانية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2006، قبل أن يعود إلى تركيا عام 2007 للانضمام إلى شركة بايكار، التي أسسها والده وأدارها هو وشقيقه هالوك.

قاد بيرقدار تطوير بيرقدار TB2، أول طائرة مسيرة محلية الصنع دخلت الخدمة العسكرية التركية عام 2014، وصدرت إلى 36 دولة، وسجلت أكثر من 1,250,000 ساعة طيران ناجحة. كما أشرف على بيرقدار أكينجي، أول طائرة هجومية مسيرة تركية بوزن إقلاع 6 أطنان، وسُلّمت إلى القوات المسلحة التركية عام 2021، وصُدّرت إلى 16 دولة حتى 2025. ويقود اليوم تطوير TB3، أول طائرة مسيرة بالعالم تقلع وتهبط من سفينة ذات مدرج قصير، وكيزيل إيلما، أول طائرة قتالية بدون طيار تركية، محققًا إنجازات تاريخية في رحلات تشكيلية متقاربة للطائرات المسيّرة.

توسّعت إنجازاته لتشمل الفضاء عبر شركته الناشئة فيرجاني لتكنولوجيا الفضاء، حيث يقود تطوير الأقمار الصناعية منخفضة المدار ومركبات النقل المداري وأنظمة الإطلاق. كما أشرفت بايكار على تطوير أجهزة تنفس صناعي محلية أثناء جائحة كوفيد-19، ويدير بيرقدار مؤسسة CANSA LI I لدعم البحث الطبي، ومؤسسة T3 لتشجيع الشباب على الابتكار في التكنولوجيا، ومهرجان تكنوفست الأكبر عالميًا في الطيران والفضاء.

نال بيرقدار العديد من الجوائز الدولية، من بينها وسام كاراباخ من أذربيجان، ووسام الاستحقاق من أوكرانيا، وأرفع وسام وطني من مالي، بالإضافة إلى تكريمات من قيرغيزستان. وهو صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد زواجه من ابنته سمية عام 2016، ويقيم في إسطنبول حيث يواصل قيادة بايكار وتعزيز مكانة تركيا في صناعة الطائرات المسيّرة عالميًا.

أبراهام كاريم.. الأب الروحي للمسيرات يُعرف أبراهام "آبي" كارم بأنه الرجل الذي غيّر وجه الحروب الحديثة بابتكاره الطائرة الروبوتية MQ-1 بريداتور، ليصبح الأب الروحي للطائرات المسيّرة الحديثة، ولا يزال رائدًا في تطوير منصات جوية متقدمة تقنيًا.

وُلد كارم في 27 يونيو 1937 في بغداد، العراق، لعائلة آشورية، وانتقلت العائلة إلى إسرائيل عام 1951، حيث أمضى معظم حياته. منذ صغره، كان شغوفًا بالهندسة والاختراع، وقال عن طفولته: "كنت مولعًا بالألعاب، وفي سن الثامنة كنت متأكدًا من أنني سأصبح مهندسًا ميكانيكيًا، وفي الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة وقعت في غرام علم الطيران". التحق بمعهد التخنيون للتكنولوجيا في إسرائيل وتخصص في هندسة الطيران.

أسس كارم شركة "ليدينج سيستمز" في مرآب منزله، بمساعدة زميلين، وابتكروا أول طائرة بدون طيار أطلقوا عليها اسم "ألباتروس"، مزودة بكاميرا ووزنها 200 رطل. أدى نجاحها إلى تمويل من وكالة DARPA لتطوير نموذج أكبر باسم "آمبر"، الذي سجل أول رحلة تجريبية عام 1986، وحقق قدرة تحليق مذهلة استمرت 38 ساعة، متجاوزًا أداء الطائرات المنافسة في ذلك الوقت.

لاحقًا، طور كارم طائرة غنات-750، التي شكلت القاعدة الأولى لتطوير MQ-1 بريداتور بعد استحواذ شركة جنرال أتوميكس على شركته عام 1990. مع البريداتور، قدّم كارم طائرة استطلاع وتحكم عن بُعد موثوقة، قادرة على التحليق لساعات طويلة وعلى ارتفاعات عالية، ودمجت لأول مرة صواريخ AGM-114 هيلفاير الموجهة بالليزر، محوّلة الطائرات المسيّرة من أدوات محدودة إلى قوة قتالية استراتيجية.

تشمل أبرز إنجازاته العسكرية والتقنية تطوير طائرة آمبر للتحليق طويل المدى، وتصميم طائرة غنات-750 كأساس للطائرة بريداتور، وتطوير نظم الطيار الآلي والمثبتات الذيلية وأنظمة التحكم المقاومة للأعطال، ما منح البريداتور موثوقية عالية وقدرة على العمل بكفاءة حتى في أصعب الظروف الجوية.

تحت قيادته، أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا محوريًا في العمليات العسكرية الحديثة، مستخدمة في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ومع دمج الصواريخ الموجهة، أصبحت قوة هجومية استراتيجية. اليوم، يمتلك الجيش الأمريكي نحو 8000 طائرة مسيّرة، بعد أن كانت البداية مع عدد محدود جدًا عام 2001.

تظل طائرات كارم المعروضة في المتحف الوطني للطيران والفضاء شاهدًا على دوره التاريخي، فيما يستمر تأثير ابتكاراته على الطيران العسكري والمدني حول العالم.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


موقع سائح منذ 7 ساعات
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 4 ساعات
سي ان ان بالعربية - منوعات منذ 6 ساعات
موقع سائح منذ 9 ساعات
موقع سائح منذ ساعتين
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 8 ساعات
موقع سائح منذ 6 ساعات
العلم منذ 18 ساعة