تتصدر أشباه الموصلات اليوم المشهد الاقتصادي في كوريا الجنوبية، بعدما نجحت في التحول من قطاع صناعي تقليدي إلى الركيزة الأهم لإعادة تشكيل وجه الاقتصاد الوطني، ودفعه نحو مرحلة جديدة من النمو القائم على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. قفزة تاريخية وأرقام قياسية شهد عام 2025 قيادة قطاع أشباه الموصلات لقفزة تاريخية في الصادرات الكورية، حيث ارتفعت شحنات القطاع بنسبة 22.2% على أساس سنوي، لتسجل رقماً قياسياً بلغ 173.4 مليار دولار. وجاء هذا النمو مدفوعاً بطلب عالمي متسارع على رقائق الذاكرة والمعالجات المتقدمة، خاصة تلك المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، مراكز البيانات، السيارات الكهربائية، وأنظمة الروبوتات.
من "مصنع العالم" إلى "عقل العالم"
لا يعكس هذا الأداء مجرد دورة انتعاش اقتصادية عابرة، بل يؤكد تحولاً هيكلياً عميقاً في الهوية الاقتصادية لكوريا الجنوبية: تجاوز النماذج التقليدية: لم يعد الاعتماد الكوري محصوراً في الصادرات الصناعية التقليدية كالسفن والسيارات. الهيمنة على سلاسل القيمة: أصبحت سيول قوة عالمية في تصميم الرقائق، التصنيع المتقدم، والذاكرة عالية الأداء. المنافسة العالمية: باتت شركات كبرى مثل Samsung Electronics وSK Hynix في قلب السباق الدولي على رقائق الذكاء الاصطناعي، لتنافس بقوة عمالقة الصناعة في الولايات المتحدة وتايوان. 2025.. عام كسر الحواجز التصديرية ساهم زخم قطاع التقنية في تسجيل إجمالي صادرات كوريا الجنوبية رقماً غير مسبوق في تاريخها، حيث بلغ 709.7 مليار دولار في عام 2025، متجاوزة بذلك حاجز الـ 700 مليار دولار لأول مرة، بنمو إجمالي قدره 3.8% مقارنة بالعام السابق. وقد شهد شهر ديسمبر وحده أداءً استثنائياً تمثل في: - قفز الصادرات الكلية بنسبة 13.4% لتصل إلى 69.58 مليار دولار، وهو أعلى مستوى شهري على الإطلاق. - تحقيق قطاع أشباه الموصلات نمواً هائلاً بنسبة 43.2% بمبيعات بلغت 20.77 مليار دولار. - استمرار وتيرة النمو للشهر السابع على التوالي، مسجلة أقوى أداء لها منذ منتصف عام 2024. - إعادة توجيه البوصلة الجغرافية للتجارة - لم يقتصر التحول على نوعية المنتجات فحسب، بل شمل الخارطة الجغرافية للأسواق: - توسع إقليمي: زادت الصادرات إلى دول "آسيان" بنسبة 7.4% وإلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 3%. - تراجع في الأسواق التقليدية: انخفضت الصادرات إلى الصين بنسبة 1.7% وإلى الولايات المتحدة بنسبة 3.8%، متأثرة بالرسوم الجمركية الجديدة والتوترات التجارية العالمية. - استراتيجية التنويع: يعكس هذا التغير توجهاً كورياً لتقليل الاعتماد على الأسواق المنفردة وبناء شبكة طلب أوسع وأكثر استقراراً. الرؤية المستقبلية: "غول أشباه الموصلات" تؤكد كافة المؤشرات أن كوريا الجنوبية تمضي بخطى ثابتة لتكون القوة المهيمنة في رقائق الذاكرة المتقدمة (HBM) واللاعب الرئيسي في تكنولوجيا الرقائق دون 3 نانومتر. وبدعم حكومي استراتيجي واستثمارات ضخمة، تعيد سيول رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية. الخلاصة: تدخل كوريا الجنوبية مرحلة اقتصادية جديدة، حيث لم تعد أشباه الموصلات مجرد سلعة تصديرية، بل أصبحت "المشروع القومي" والقلب النابض للاقتصاد الرقمي العالمي.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
