العراق في زمن إعادة التموضع: ثلاثة سيناريوهات لما بعد 2025

العراق في زمن إعادة التموضع:

ثلاثة سيناريوهات لما بعد 2025

الدكتور ثائر العجيلي

المقدّمة

بعد أن اتّضحت ملامح إعادة التموضع الأميركي، وانكشفت طبيعة المرحلة الإقليمية التي تُدار بهدوء وحذر، لم يعد السؤال المركزي مرتبطًا بما تريده واشنطن، أو بما تضغط به إسرائيل، أو بما تخطّط له القوى الإقليمية الأخرى. السؤال بات أكثر مباشرة، وأكثر إلحاحًا: ماذا سيفعل العراق؟

في المراحل الانتقالية، لا يكون الخطر في وضوح المسارات، بل في غياب القرار. وحين تتزاحم التحوّلات من حول دولة لا تملك رؤية موحّدة، تتحوّل الخيارات تلقائيًا إلى سيناريوهات تُفرض من الخارج بدل أن تُصاغ من الداخل. وهذا بالضبط ما يجعل المرحلة المقبلة حسّاسة، لا بسبب حتمية الانفجار، بل بسبب قابلية الانزلاق.

العراق اليوم يقف عند مفترق طرق نادر. ليس لأنه مُهدَّد بحرب مباشرة، بل لأنه واقع في قلب مسرح تُعاد هندسته: وجود أميركي أقل صخبًا وأكثر انتقائية، ساحات إقليمية مترابطة، وفواعل غير دولتيّة تتحرّك بقراءات متباينة للمرحلة. وفي مثل هذا السياق، لا يعود الاكتفاء بالمواقف العامة كافيًا، ولا تنفع إدارة الوقت بوصفها استراتيجية.

هذه ليست مقالة تحذير، ولا دعوة إلى اصطفاف، ولا وصفة جاهزة للخلاص. إنها محاولة لتفكيك المسارات الممكنة أمام العراق، كما هي، لا كما يُراد لها أن تُعرض. مسارات لكلٍّ منها كلفته، ومخاطره، وفرصه، ولا يخلو أيٌّ منها من ثمن.

فالسيناريو لا يفرض نفسه تلقائيًا، بل يُصنع بالقرار

وبغياب القرار، يُصنع بدلًا عنّا.

من هنا، لا تبحث هذه المقالة عن إجابة واحدة، بل ترسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لما بعد 2025، علّ وضوح الطريق، حتى وإن كان صعبًا، يبقى أقل كلفة من السير في العتمة.

السيناريو الأول: التحييد النسبي الخيار الأصعب والأقل كلفة

يبدأ هذا السيناريو من مسلّمة بسيطة لكنها ثقيلة: لا يمكن تحييد العراق بالكامل عن محيطه، لكن يمكن تقليل كلفة انخراطه فيه. التحييد هنا ليس انسحابًا من الجغرافيا، ولا إنكارًا للتشابك الإقليمي، بل إدارة واعية للمخاطر، تُقدّم مصلحة الدولة على منطق الساحة.

في هذا المسار، تتقدّم الدولة خطوة إلى الأمام في تثبيت قرارها السيادي، ليس عبر الشعارات، بل عبر إجراءات متدرجة: ضبط استخدام السلاح خارج الأطر الرسمية، تقليص الرسائل المتناقضة، وتوحيد قنوات الاتصال مع الخارج. لا يعني ذلك نزعًا شاملًا وفوريًا للسلاح، بل حصرًا عمليًا لوظائفه ومنع استخدامه في صراعات لا يملك العراق قرارها ولا توقيتها.

التحييد النسبي يفترض أيضًا قراءة دقيقة لإعادة التموضع الأميركي. فواشنطن، التي تقلّل احتكاكها وتُعيد تعريف مهامها، تبحث عن شريك قادر على إدارة الاستقرار لا استدعاء المواجهة. وفي هذا السياق، يمنح هذا السيناريو العراق هامشًا أوسع للمناورة: تخفيف الاستهداف، تقليل الضغوط الاقتصادية، والحفاظ على قنوات الدعم الدولي دون الارتهان الكامل لها.

غير أن هذا المسار هو الأصعب داخليًا. فتكلفته السياسية عالية، لأنه يصطدم بمصالح راسخة، وبخطابات اعتادت تحويل الصراع الخارجي إلى رأسمال داخلي. كما يتطلب قدرة على تحمّل الضغوط، وإدارة الخلافات، وبناء توافقات تدريجية في بيئة منقسمة.

لكن، ورغم صعوبته، يبقى هذا السيناريو الأقل كلفة استراتيجيًا. فهو يقلّل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، ويحفظ هامش القرار الوطني، ويُبقي العراق خارج دائرة الاستهداف المباشر حين تتصاعد التوترات في الساحات المجاورة. إنه لا يعد بالسلام، لكنه يُقلّص احتمالات الحرب، ولا يمنح حصانة مطلقة، لكنه يُخفّف الخسائر المحتملة.

في النهاية، التحييد النسبي ليس حلًا مثاليًا، بل خيار إدارة عقلانية للمرحلة. خيار يتقدّم ببطء، ويتعرّض للاختبار مرارًا، لكنه يمنح الدولة فرصة نادرة: أن تكون فاعلًا يحسب خطواته، لا ساحة تُحسب عليها خطوات الآخرين.

السيناريو الثاني: إدارة الرمادي الاستمرار بلا حسم

يقوم هذا السيناريو على مبدأ غير مُعلن لكنه حاضر بقوة في الممارسة: تجنّب القرار بدل اتخاذه. لا مواجهة شاملة ولا تحييد فعلي، لا حصر واضح للسلاح ولا انفلات كامل، بل إدارة يومية للتوازنات، وتأجيل مستمر للحسم، على أمل أن تمرّ العواصف من دون أن تضرب مباشرة.

في هذا المسار، تحاول الدولة أن تمسك العصا من المنتصف. رسائل متناقضة تُرسل إلى الخارج والداخل في آن واحد، تفاهمات مؤقتة تُبنى لاحتواء الأزمات، وخطاب سياسي مرن يتبدّل بحسب الظرف. ظاهريًا، يبدو هذا الخيار أقل كلفة، لأنه لا يستفز القوى الداخلية، ولا يفرض صدامًا مباشرًا، ولا يجرّ البلاد فورًا إلى مواجهة مفتوحة.

لكن كلفة "إدارة الرمادي" لا تظهر دفعة واحدة، بل تتراكم بصمت. فغياب الحسم يُضعف هيبة القرار، ويُبقي كل الاحتمالات مفتوحة، ويجعل العراق عرضة للضغوط من جميع الاتجاهات. الخارج لا يطمئن، لأنه لا يرى شريكًا واضحًا، والداخل لا يستقر، لأنه لا يعرف إلى أين يتجه المسار.

في ظل إعادة التموضع الأميركي، يصبح هذا السيناريو أكثر هشاشة. فواشنطن، التي تعيد تعريف تهديداتها وأدوات ردعها، لا تتعامل مع المناطق الرمادية بصبر طويل. ومع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 4 ساعات
قناة اي نيوز الفضائية منذ 16 ساعة
وكالة الحدث العراقية منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
موقع رووداو منذ 23 ساعة
وكالة الحدث العراقية منذ 6 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 6 ساعات
قناة السومرية منذ 13 ساعة