بين التقويم والهوية: قراءة منصفة في جدل الاحتفال برأس السنة الميلادية
أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
مستشار أكاديمي
في كل عام، ومع اقتراب نهاية ديسمبر، يتجدد الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي حول مشروعية الاحتفال برأس السنة الميلادية. ينقسم الناس بين معترض يرى في هذا الاحتفال خروجًا عن هوية الأمة وتقويمها، ومؤيد يعتبره مناسبة زمنية عالمية لا تتعارض بالضرورة مع الدين أو الخصوصية الثقافية. والحقيقة أن هذا الجدل إذا أُحسن تناوله يمكن أن يكون فرصة لفهم أعمق لمعنى الهوية، والتقويم، وحدود الاختلاف المشروع.
أولًا: إنصاف المعترضين
المعترضون على الاحتفال بالسنة الميلادية لا ينطلقون في كثير من الأحيان من موقف عدائي تجاه الآخرين، بل من حرصٍ مشروع على الهوية الإسلامية. فالأمة الإسلامية تمتلك تقويمًا خاصًا بها، هو التقويم الهجري، المرتبط بحدث مفصلي في تاريخ الإسلام: هجرة النبي محمد ﷺ، والتي لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل تأسيسًا لدولة وقيم ونظام حضاري.
ويستند هؤلاء المعترضون إلى واقع مؤلم، يتمثل في أن الدول العربية والإسلامية نفسها لا تعتمد التقويم الهجري في شؤونها الرسمية، بل جعلت التقويم الميلادي هو المعتمد في الإدارة، والاقتصاد، والتعليم. وهذا التبني شبه الكامل لتقويم الآخر، في مقابل تهميش التقويم الهجري، يراه المعترضون نوعًا من التفريط الرمزي بالهوية.
كما يربط بعضهم هذا الأمر بحالة أوسع من التضييق الذي تمارسه تيارات متطرفة في بعض الدول الغربية ضد مظاهر الإسلام، مثل محاربة الحجاب، والتشدد تجاه الصيام وشهر رمضان، بل وازدراء بعض الشعائر. ومن هنا تأتي ردّة الفعل: إذا كان الآخر لا يحترم خصوصيتي الدينية، فلماذا أُبالغ أنا في تبني رموزه وتقويمه؟
ومن هذا المنطلق، يرى المعترضون أنه من غير المنصف أن يُهاجَم من يرفض الاحتفال بالسنة الميلادية، في حين لا يُفتح نقاش جاد حول سبب غياب التقويم الهجري عن واقعنا الرسمي، ولا حول ازدواجية المعايير في تقبّل احتفالات الآخرين ورفض مناسباتنا الدينية، مثل الاحتفال بمولد النبي ﷺ، الذي يصل الاعتراض عليه أحيانًا إلى حدّ التبديع أو حتى التكفير.
ثانيًا: إنصاف المحتفلين
في المقابل، لا يمكن اختزال كل من يحتفل برأس السنة الميلادية في خانة التفريط أو الذوبان في الآخر. فكثير من المحتفلين ينظرون.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
