يبدو أن النظام الإيراني الحالي على أعتاب الدخول في مرحلة مليئة بالعديد من التحديات، وذلك في ظل تفاقم الأوضاع الداخلية في إيران نتيجة لتزايد وتيرة التظاهرات التي تجتاح عدداً من المحافظات الإيرانية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية هناك.وفي تطور لافت لما يحدث في الداخل الإيراني في هذه الأيام، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم في منشور له على منصة "تروث سوشيال" بالتدخل لدعم المتظاهرين الإيرانيين، محذراً من أن الولايات المتحدة ستتدخل للمساعدة في حال أقدمت السلطات الإيرانية على إطلاق النار على المحتجين السلميين.ويأتي التصعيد في لهجة دونالد ترامب تجاه النظام الإيراني على خلفية تقارير إعلامية عن تصاعد الاحتجاجات في عدد من المناطق الإيرانية، والتي أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 7 أشخاص من عناصر الأمن والمتظاهرين وسط تحذيرات من داخل النظام الايراني بشأن تداعيات التحركات الاحتجاجية الأخيرة المنددة بالتدهور المعيشي، بينما دعت أصوات معارضة في الخارج الايرانيين للتمسك بمواقفهم. رد رسمي إيرانيالنظام الإيراني لم يصمت كثيراً على تصريحات ترامب، وسريعاً ما أكد علي لاريجاني كبير مستشاري المرشد الإيراني أن على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يدرك أن تدخل أميركا في مسألة الاحتجاجات الداخلية يعني نشر الفوضى في جميع أنحاء المنطقة، فيما كتب عضو مجلس الدفاع الوطني الإيراني علي شمخاني، على منصة "إكس": "كل يدٍ متدخلة تقترب من أمن إيران بذريعة أو بأخرى، ستُقطع قبل أن تصل، بردٍّ يبعث على الندم"، مضيفاً أن لأمن القومي الإيراني خط أحمر، وليس موضوعاً للتغريدات المغامرة.تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول استعداد بلاده للتدخل من أجل إنقاذ المتظاهرين في إيران، في حال أقدمت السلطات على قتلهم، أثارت تساؤلات واسعة حول المقصود الحقيقي بهذا التهديد وحدود ترجمته إلى أفعال، ولا سيما في ظل التصعيد الداخلي الإيراني والتوازي الزمني مع لقاء ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وحول هذا الأمر أوضحت الخبيرة في العلاقات الدولية الدكتورة مونيكا وليم في تصريحات لمنصة "المشهد" أن اللغة المستخدمة في تصريحات ترامب تحمل بعداً ظاهرياً، لكنها في العمق تعكس أدوات ضغط سياسية وإستراتيجية أكثر منها إعلاناً وشيكاً لتدخل عسكري مباشر، لافتةً إلى أن تلك التصريحات قد تندرج ضمن مفهوم الردع السياسي متعدد المستويات.وأشارت إلى أن المقصود من التدخل الأميركي لحماية المتظاهرين في إيران هنا قد يشمل:تصعيدا في العقوبات.دعمًا إعلاميًا وسياسيًا للاحتجاجات.تفعيل أدوات الحرب غير المباشرة أو حتى توسيع نطاق العزلة الدولية للنظام الإيراني.التدخل العسكري الأميركي في إيران مستبعد.وترى وليم أن تصريحات ترامب لا تشير بالضرورة إلى تدخل عسكري تقليدي على غرار سيناريوهات العراق أو أفغانستان، مؤكدة أنه رغم التصعيد الخطابي لترامب يبقى التدخل العسكري الأميركي المباشر في إيران خياراً مستبعداً في المدى القريب، لأن واشنطن تدرك أن أيّ ضربة واسعة قد تُشعل حرباً إقليمية تشمل الخليج، والعراق، ولبنان، وتؤثر على أسواق الطاقة العالمية، ومع ذلك فإن دعم ضربة إسرائيلية محسوبة أو السماح بها ضمنياً يظل سيناريو قائماً، خصوصاً إذا اعتُبر أن إيران تجاوزت خطوطاً حمراء نووية أو أمنية.وتضيف أنه مع استقراء الملابسات التاريخية، فإن واشنطن تميل إلى استخدام الخطاب الحقوقي كوسيلة ضغط، وليس كالتزام قانوني أو عسكري، خصوصًا عندما تكون كُلفة التدخل المباشر مرتفعة وغير مضمونة النتائج.إيران اختارت "الخيار صفر" مع ترامبورداً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن على الرئيس الأميركي إدراك أن التدخل في قضية إيرانية داخلية سيربك المنطقة ويقوّض مصالح واشنطن، مضيفاً في تصريحات له، أنه على الشعب الأميركي أن يعلم أن ترامب هو من بدأ المغامرة وليحذروا على جنودهم، لذلك أشار رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور أن رد لاريجاني والذي هدد من خلاله ترامب والمصالح الأميركية داخل المنطقة كان قوياً للغاية، مبيناً أن تصريحات لاريجاني تشير إلى أن إيران لجأت إلى ما أسماه "بالخيار صفر" في تعاملها مع تهديدات ترامب، وهو الخيار المتعلق بالهجوم الشديد التصعيدي والتصاعدي ضد الولايات المتحدة الأميركية إذا بدأت بأيّ عمل عسكري ضد إيران.وحذر أبو النور من احتمالية اشتعال أكبر للأوضاع في الداخل الإيراني خلال الساعات والأيام المقبلة، متوقعاً دخول الحرس الثوري بالكامل لمنع ووقف الاحتجاجات التي تعم الكثير من المحافظات الإيرانية.ويرى أبو النور أن تهديدات ترامب للنظام الإيراني لا يمكن فصلها عن لقاء ترامب ونتانياهو الأخير، إذ لا يمكن قراءة خطاب ترامب حول إيران بمعزل عن لقائه مع نتانياهو، حيث أعيد فتح ملف الضربات العسكرية المحتملة ضد إيران، وناقش الطرفان احتمال تنفيذ جولة ثانية من الضربات في عام 2026، في حال ثبت أن طهران تعيد بناء برنامجها النووي، موضحًا أن هذا التوقيت بالغ الدلالة، فواشنطن تستخدم الضغط الداخلي كورقة ردع، بينما توظف إسرائيل هذا الضغط للحصول على ضوء أخضر إستراتيجيا لأيّ تحرك عسكري مستقبلي.ولفت إلى أن المفارقة تكمن في أن تصريحات ترامب السابقة حول تدمير البرنامج النووي الإيراني تقيد قدرته السياسية على تبرير ضربات جديدة، إلا إذا أعيد تعريف مفهوم إعادة البناء النووي، وهو الخلاف الجوهري القائم حاليا بين واشنطن وطهران، وهذا الغموض المتعمد يمنح الإدارة الأميركية مرونة إستراتيجية، ويُبقي إيران في حالة استنزاف سياسي وأمني دائم.الاحتجاجات الإيرانيةوبحسب الخبيرة في العلاقات الدولية الدكتورة مونيكا وليم، فإن ما يزيد الأمر تعقيدًا عند محاولة تحليل اللحظة الداخلية الحرجة بالنسبة لإيران، والتي تشهد شللًا داخليًا غير مسبوق حيث دخلت الاحتجاجات يومها السادس وسط إغلاق شبه كامل شمل 21 محافظة من أصل 31، بما فيها العاصمة طهران، هو قرار السلطات بإغلاق المتاجر والجامعات والمؤسسات الحكومية، وهو ما يعكس حجم القلق الرسمي من تحول الاحتجاجات إلى موجة عصيان مدني واسع، مبينة أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل اقتصادية بامتياز، في ظل تضخم متصاعد، وانهيار قيمة العملة، وتراجع مستويات المعيشة، ما يجعل الاحتجاجات ذات طابع اجتماعي عابر للطبقات.وأوضحت أن الاشتباكات التي سُجلت في طهران وشيراز وأصفهان وكرمانشاه، والهتافات التي طالت رأس النظام، تشير إلى انتقال الاحتجاج من مربع المطالب المعيشية إلى التحدي السياسي المباشر، أما اقتحام مجمعات حكومية في مدن مثل فسا، واستخدام الحرس الثوري للرصاص الحي وفق مصادر معارضة، فيؤكد أن النظام يتعامل مع المشهد بوصفه تهديداً وجودياً لا مجرد اضطراب أمني عابر.وأشارت خبيرة العلاقات الدولية إلى أن ما نشهده هو تلاقى أزمات داخلية إيرانية متفاقمة، وخطاب أميركي تصعيدي يوظف هذا البعد كأداة ردع، ورغبة إسرائيلية في استثمار هذه اللحظة، وأيضاً الدعم الأميركي للحصول على تفويض إستراتيجي ضد إيران، وبينما تسعى طهران لتجنب حرب شاملة، فإن استمرار القمع الداخلي، بالتوازي مع الغموض النووي، يجعل سيناريو الضربة في 2026 احتمالاً حقيقياً، إن لم يكن وشيكاً.(المشهد)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
