زيادات الأجور في تونس 2026.. إنصاف للموظفين أم وقود جديد للتضخم؟

يدخل التونسيون العام الجديد وسط حالة ترقّب للحصول على زيادات في الأجور، وفقاً لما نصّت عليه ميزانية عام 2026، التي ما زالت نسبتها غير معروفة، إذ سيتم تحديدها لأول مرة منذ سبعينيات القرن الماضي بقرار حكومي في بداية العام.

يتزامن ذلك مع توقعات بأن يؤدي ارتفاع الرواتب إلى مواجهة الارتفاع المستمر في الأسعار، وفي الوقت نفسه زيادة المخاوف بشأن الضغوط التضخمية على الاقتصاد، الذي يعاني ضعفاً في معدلات النمو.

بحسب خبيرين اقتصاديين تحدثا مع «إرم بزنس»، فإن الزيادات المرتقبة قد تسهم في تحسين القدرة الشرائية، رغم أنها تأتي في سياق أزمات اقتصادية هيكلية تتطلب معالجة شاملة.

الواقع المالي

وفقاً لبيانات وزارة المالية التونسية الصادرة في أكتوبر 2025، بلغت اعتمادات نفقات الأجور في ميزانية 2026 نحو 25.2 مليار دينار (نحو 8.5 مليار دولار)، بزيادة لا تتجاوز 3.6% عن العام السابق. وتتعارض هذه النسبة مع مطالب أكثر من 1.9 مليون موظف ومتقاعد بتحسين دخولهم لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل قدرتهم الشرائية.

من جانبه، أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة تونس، رضا الشكندالي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أنه من غير الممكن في الوقت الحالي توقّع قيمة الزيادة في الرواتب، غير أن الحكومة خصصت نحو 900 مليون دينار لزيادة كتلة الأجور في ميزانية الدولة لعام 2026.

خفض جديد للفائدة في تونس.. «المركزي» يراهن على الاستثمار وكبح التضخم

أضاف أن الحكومة لجأت إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي بقيمة 11 مليار دينار لتدبير احتياجات الميزانية، وقد تضطر إلى زيادة الاقتراض لتوفير زيادات الأجور لنحو 51 ألفًا و878 موظفًا جديدًا.

الخلفية الاقتصادية

تأتي هذه الحسابات المالية في ظل مؤشرات اقتصادية تزيد من تعقيد مسألة زيادة الأجور؛ إذ بلغ معدل التضخم السنوي 4.9% بنهاية الربع الثالث من عام 2025، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة 15%.

على صعيد الإنتاج، ترزح البلاد تحت معدل نمو متواضع للناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 2.4%، إلى جانب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، ونمو ضعيف للإنتاجية في القطاع العام لا يزيد على 1.8% خلال السنوات الثلاث الماضية.

وفي ظل هذه المؤشرات، يحذّر الشكندالي من خطر تحوّل زيادات الأجور إلى حلقة مفرغة، إذ قد تؤدي الأجور الأعلى إلى أسعار أعلى، ما يُلغي الفائدة الحقيقية للزيادة ويعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر، مؤكداً أن التاريخ الاقتصادي يُعلّمنا أنه عندما يرتفع الدخل النقدي دون زيادة مقابلة في دعم السلع والخدمات، تكون النتيجة الحتمية هي ارتفاع الأسعار.

بدوره، يحذّر الخبير الاقتصادي معز حديدان، في حديثه مع «إرم بزنس»، من أن زيادة الأجور والرواتب من دون تحسّن موازٍ في الإنتاجية تُشكّل وصفة للتضخم المتسارع، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية تُظهر انتقال تكاليف الأجور مباشرة إلى الأسعار في الاقتصادات ضعيفة الإنتاجية. لكنه يضيف أن هذه الزيادات قد تحفّز الاستهلاك المحلي، لا سيما في القطاعات التي تعاني ركودًا في الطلب، ما قد يدعم النمو الاقتصادي.

في هذا السياق، يقدّم أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي مقاربة عملية، معتبراً أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في رفض الزيادة أو قبولها، بل في ربطها بتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والنقل، بما يسهم في خفض نفقات الأسر التونسية. ويرى أن إقرار الزيادة يظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على توفير الموارد المالية اللازمة، سواء عبر الجباية أو الاقتراض.

آلية جديدة

في خضم الترقب والجدل حول الزيادة في الأجور، جاء تصريح وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر ليضيف بُعداً جديداً للنقاش، إذ أعلن أن الحكومة ستقرر نسبة الزيادة بقرار حكومي، من دون مفاوضات، في بداية العام القادم.

تونسيون يتسوقون في سوق المدينة المنورة بالعاصمة تونس، يوم 15 مايو 2024.

أوضح الوزير التونسي، في تصريحات أوردها إعلام محلي، أن مسألة الزيادة في الأجور والمعاشات للسنوات 2026 و2027 و2028 ستُحسم من دون مفاوضات اجتماعية مع الشركاء الاجتماعيين.

وبيّن أن قانون الشغل يتيح تحديد الزيادة بثلاث صيغ، هي: اتفاق تعاقدي فردي، أو قانون أو أمر حكومي، أو اتفاق اجتماعي في إطار المفاوضات الاجتماعية. وتمثل هذه الآلية الجديدة تحولاً عن منطق الحوار الاجتماعي الذي ساد لسنوات، كما تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين في هذه المرحلة الحساسة.

يعلّق رضا الشكندالي على هذه الآلية بقوله إنها المرة الأولى التي تلجأ فيها الحكومة إلى الزيادة بهذه الطريقة، ما يحمّلها مسؤولية كبيرة، باعتبار أن القرار اتُّخذ تماشياً مع رؤية الرئيس التونسي قيس سعيد المتعلقة بتطبيق ما يُسمّى «الديمقراطية المباشرة»، والتي تقوم على أن الحكومة ليست في حاجة إلى وساطة للقيام بدورها الاجتماعي. ويرى الشكندالي أن هذا النهج قد يعرّض الحكومة للإحراج في حال إقرار زيادة ضعيفة، تبعاً لقدرتها المحدودة على تعبئة الموارد المتاحة.

السيناريوهات المتوقعة

في ما يتعلق بالمسارات المستقبلية لملف زيادة الأجور، يطرح الشكندالي ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يحمل كل منها تداعيات مختلفة. يتمثل السيناريو الأول في لجوء الحكومة إلى زيادات متواضعة تتماشى مع الإطار المالي المحدد بنسبة 3.6%، وهو خيار واقعي من الناحية الحسابية، لكنه ينطوي على مخاطر اجتماعية كبيرة، إذ قد لا يلبّي الحد الأدنى من تطلعات المواطنين الذين عانوا لسنوات من تآكل دخولهم.تضخم

تونس والبنك الدولي.. كيف يعزز الاتفاق مستقبل الطاقة في البلاد؟

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في إعادة توزيع داخلية للكتلة الأجرية، عبر توجيه جزء من الزيادات إلى الفئات الأكثر احتياجاً على حساب فئات أخرى. ويتطلب هذا الخيار شجاعة سياسية كبيرة، وقد يواجه مقاومة من الفئات المتضررة، لكنه قد يحقق عدالة توزيعية أفضل في ظل الموارد المحدودة.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيداً، يقوم على مراعاة معدلات التضخم في أسعار السلع الغذائية، التي لا تقل عن 15% وقد تصل إلى 20% لبعض السلع.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الزيادة المطلوبة يمكن أن تكون في حدود 6% أو 7.2%، مع بحث الحكومة عن مصادر تمويل إضافية خارج إطار الميزانية العادية. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة، لا سيما في حال اللجوء إلى مزيد من الاقتراض أو فرض ضرائب جديدة، ما قد يخلق حلقة مفرغة من المشكلات الاقتصادية.

يختتم الشكندالي رؤيته بالتأكيد على أن نجاح أي من هذه السيناريوهات يعتمد على عاملين أساسيين: الأول هو الشفافية في التواصل مع المواطنين بشأن الخيارات المتاحة والقيود القائمة، والثاني هو إرفاق القرار بحزمة إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية وتدعم النمو الاقتصادي. ويشير إلى أن عام 2026 سيكون محكاً حقيقياً لقدرة تونس على تحقيق التوازن المطلوب بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 51 دقيقة
مجلة رواد الأعمال منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات