من سباق الفضاء الأول إلى عصر "الهيمنة المطلقة".. مراحل تطور السباق الفضائي على مدار أكثر من 7 قرون

منذ منتصف القرن العشرين، تحول الفضاء من مجرد ظاهرة علمية إلى ساحة استراتيجية للصراع الدولي بين القوى العالمية الكبرى. وبات التنافس على السيطرة والتفوق امتدادًا مباشرًا للصراعات الأرضية، يجمع بين القوة العسكرية والقدرات التقنية والاقتصادية. وعلى مدار العقود الماضية وحتى اليوم، اكتسب السباق نحو الهيمنة الفضائية صورًا جديدة لا تقتصر على القوى العظمى فقط ولكن أيضًا لاعبين جُدد.

الحرب الباردة.. من الأرض إلى الفضاء شهد العالم بين عامي 1955 و1975 فصلًا جديدًا من فصول الحرب الباردة تحوّل فيه الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من الأرض إلى المدار يمكن وصفه بأنه "عصر سباق الفضاء الأول". في هذا التوقيت لم يكن الفضاء ساحة علمية محايدة، بل امتدادًا مباشرًا للمنافسة الأيديولوجية والتقنية بين القوتين العظميين، حيث ارتبط التفوق الفضائي منذ بدايته باعتبارات الأمن القومي والقدرة العسكرية.

وبدأ التحول الحاسم عام 1957 عندما أطلق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي "سبوتنيك 1"، ليصبح أول جسم من صنع الإنسان يدور حول الأرض. وأحدث هذا الحدث صدمة استراتيجية داخل الولايات المتحدة، عُرفت لاحقًا بـ"أزمة سبوتنيك"، إذ أثار مخاوف حقيقية من تفوق صاروخي سوفيتي قد يغيّر ميزان القوى العالمي. ومع أن الحدث قُدّم للعالم بوصفه إنجازًا علميًا، إلا أن دلالاته العسكرية كانت واضحة لكلا الطرفين.

وسرعان ما اتخذ السباق بُعدًا عسكريًا صريحًا. ففي عام 1959، أجرت الولايات المتحدة أول اختبار لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية، أُطلق من طائرة عسكرية، في مؤشر مبكر على أن السيطرة على الفضاء ستُعد عنصرًا حاسمًا في أي صراع مستقبلي. ومع تطور تقنية الصواريخ العابرة للقارات، لم يعد الفصل ممكنًا بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء.

في هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي جون كينيدي عام 1961 هدفًا طموحًا يتمثل في إرسال إنسان إلى سطح القمر وإعادته سالمًا قبل نهاية العقد. ولم يكن القرار معزولًا عن سياق التنافس مع موسكو، بل جاء كخيار استراتيجي رأت واشنطن أنها تستطيع من خلاله تجاوز السوفيت في مجال لم يحسم بعد. ورغم أن الولايات المتحدة كانت متأخرة في عدد من الإنجازات الفضائية المبكرة، فإنها اعتمدت برنامجًا مرحليًا دقيقًا قاد في النهاية إلى تحقيق الهدف.

في يوليو 1969، بلغ السباق ذروته مع هبوط مركبة "أبولو 11" على سطح القمر، في حدث تابعه العالم بوصفه إنجازًا علميًا تاريخيًا، ونصرًا استراتيجيًا أكد التفوق التقني الأمريكي. ومع أن هذه اللحظة مثّلت نهاية مرحلة من سباق الفضاء، فإنها لم تُنهِ الصراع، بل أعادت تشكيله بصور جديدة استمر تأثيرها لعقود لاحقة. ورغم انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقًا ونهاية الحرب الباردة رسميًا، لم ينتهِ التنافس الفضائي، بل تغيّر شكله. فالتعاون في مشاريع كبرى، مثل محطة الفضاء الدولية، سار جنبًا إلى جنب مع سباق خفي للهيمنة التقنية والعسكرية، في ظل اعتماد متزايد للجيوش الحديثة على البنية التحتية الفضائية، واستمرار اختبار قدرات قادرة على تعطيل أقمار الخصوم، ما يؤكد أن الصراع على الفضاء لم يُغلق ملفه بعد.

الفضاء كساحة للتنافس العسكري مع انتقال سباق الفضاء من مرحلة الوصول إلى المدار إلى مرحلة الاستفادة منه لتعزيز القوة على الأرض، أصبح الفضاء أداة استراتيجية مباشرة للحرب والسيطرة الدولية. إذ لم يعد مجرد إطلاق الأقمار الصناعية أو الرحلات البشرية هدفًا بحد ذاته، بل تحول التركيز إلى كيفية استخدام القدرات الفضائية لتعزيز التفوق العسكري والسياسي على الأرض.

أحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه هو نظام التموضع العالمي GPS، الذي طوّرته الولايات المتحدة في عام 1978 وكان في البداية لأغراض عسكرية بحتة، من توجيه الصواريخ إلى التحكم في تحركات القوات، ما منح واشنطن ميزة غير مسبوقة في ساحات المعارك التقليدية. ومع توسع الاعتماد على الأقمار الصناعية، أصبح الفضاء عنصرًا لا غنى عنه في التخطيط العسكري، والتنسيق بين الأسلحة التقليدية والاستراتيجية. ثم تمت إتاحة التقنية فيما بعد للاستخدام المدني.

وفي عام 1983، أعلن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مشروع مبادرة الدفاع الاستراتيجي SDI، المعروف إعلاميًا باسم "حرب النجوم"، وهو برنامج طموح لتطوير أسلحة فضائية قادرة على تدمير الصواريخ النووية قبل وصولها إلى أهدافها. وكان هذا البرنامج نقطة تحول في فلسفة الاستخدام الدفاعي للفضاء، إذ لم يعد مجرد موقع للمراقبة، بل أصبح منصة محتملة للتدخل المباشر في النزاعات العسكرية.

ومع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية، دخل لاعبون جدد على الساحة الفضائية، أبرزهم الصين، التي بدأت برنامجها الفضائي العسكري بسرعة. وفي عام 2007، فجرت الصين قمرها الصناعي القديم بصاروخ باليستي، في خطوة صادمة للعالم، أظهرت قدرتها على تحدي التفوق الأمريكي في المدار ووضعت قواعد جديدة لمعادلات القوة الفضائية.

من السيادة العسكرية إلى النفوذ الاقتصادي تشهد السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في طبيعة المنافسة الفضائية، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على الوصول إلى الفضاء فحسب، بل أصبح يركّز على السيطرة الشاملة على الموارد والاتصالات والبنية التحتية الحيوية في المدار العلوي وعبر الفضاء العميق. في هذا السياق، برزت فكرة "السيادة المطلقة" لتشمل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية معًا.

في ديسمبر 2019، أعلنت الولايات المتحدة إنشاء قوة الفضاء الأمريكية (US Space Force) كفرع مستقل ضمن الجيش، مع مهمة واضحة وهي حماية المصالح الأمريكية في الفضاء، وإدارة الأقمار الصناعية، ودعم العمليات العسكرية، ومراقبة التهديدات في المدار. وسرعان ما تبعتها دول أخرى، منها الصين وروسيا وفرنسا، بتأسيس قيادات فضائية موازية، مؤكدين أن الفضاء أصبح امتدادًا مباشرًا للقدرة الدفاعية لكل دولة.

ومع تحول الصراع نحو الموارد الاستراتيجية في الفضاء العميق، ركزت برامج مثل Artemis الأمريكية ومحطة الأبحاث القمرية الدولية (ILRS) الصينية الروسية على المناطق الغنية بالجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر. وتهدف Artemis إلى تمهيد الطريق لوجود طويل الأمد على القمر، يشمل التعاون الدولي واستغلال الموارد لدعم البعثات المستقبلية. وبالمثل، تخطط ILRS لإنشاء قاعدة قمرية مشتركة تشمل البنية التحتية للطاقة النووية لضمان التشغيل المستدام للمحطة، في خطوة تمثل منافسة مباشرة لمشاريع الولايات المتحدة في نفس المنطقة.

وفي الوقت نفسه، برزت الخصخصة كعامل رئيسي في تشكيل النفوذ الفضائي. إذ لعبت شركات مثل SpaceX دورًا محوريًا عبر شبكات الأقمار الصناعية الخاصة بها، مثل Starlink، التي تخدم ملايين المشتركين حول العالم وتسيطر على تدفق البيانات العالمي. ويجعل هذا النمو في البنية التحتية التجارية السيطرة على الفضاء ليست مجرد أداة عسكرية، بل أداة اقتصادية وتقنية حيوية تؤثر على قدرة الدول في الساحات العالمية.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ ساعة
منذ 5 دقائق
منذ 46 دقيقة
موقع سائح منذ 23 ساعة
العلم منذ 13 ساعة
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 19 دقيقة
موقع سفاري منذ 13 ساعة
العلم منذ 17 ساعة
بيلبورد عربية منذ 48 دقيقة
موقع سائح منذ 37 دقيقة
موقع سائح منذ 22 ساعة