كنت في المقال السابق قد بدأت بقص مغامرة درب زبيدة الأخيرة في فبراير الماضي 2025 في منطقة حائل (فيد-سميراء) (شمال المملكة العربية السعودية) وما تلاها من محاولة الوصول إلى "محجة عنزة"، الأعجوبة الطبيعية، غرب حائل، وما رافقها من بنشرة سيارة في قلب الصحراء، حتى تم إنقاذنا من أحد رجال البادية الذي قادنا إلى المحجة ومن ثم عدنا معه إلى الطريق المعبد بالسلامة. وبعد إصلاح السيارة المبدئي أكملنا طريقنا غربا إلى العلا ونحن في غاية الانتشاء بعد هذه المغامرة التي تكللت بالسلامة ولله الحمد.
ولم نصل العلا إلا وقد أطبق الظلام علينا، لكن الطريق إلى المزرعة التي وضعت عيني عليها كان سالكا والغرف جاهزة وشجرة الطلح المعمرة تنتظرنا متوسطة ساحة ضخمة من الفراغ الحجري الذي تلفه جبال العلا الجيرية بتكويناتها الجميلة وبساتين البرتقال والنخيل، وخيمة السمر تنتظرنا، حتى طلع الصباح ونفاجأ بجمال المكان وسحره من خلف الستائر وأمامها.
وكان أجمل ما في ذلك الصباح الإفطار في "شلال" وهو عبارة عن مساحة خفية محصورة في وسط الجبال نصل إليها بعد المرور بشق في الجبال يبلغ طوله حوالي مئة متر لينفتح على حضن سري في الجبال تزينه بعض أشجار السمر وكشك السيدة التي تدير مقهى شلال والإفطار الشهي من الفول والشكشوكة والجبنة والزيتون والمربى والشاهي بالحليب، والصقيع الذي تركنا مع ثلاث درجات مئوية نحاول أن نبحث عن وسيلة للتدفئة دون جدوى، وكانت الصديقة الهولندية هي الأكثر تأثرا وارتجافا بعد أن صدقت إشاعة أن السعودية بلد الصحراء والشمس فقط فتخففت في حقائبها حتى كفوفا لم تحضر معها وأعرتها ما لدي.
كانت مرحلتنا التالية الوصول إلى معرض للقيمة السعودية الفنانة حفصة الخضيري التي أكرمتنا بتمديد معرضها إلى صباح 25 فبراير، والتقانا عندها زميل آخر تركي قادم من فيتنام، لم يتمكن الانضمام إلى درب زبيدة فلحقنا في العلا ونجح في أن يبدأ معنا بزيارة هذا المعرض الاستثنائي من أعمال فنانين وفنانات سعوديات وموضوع "أعمال تحت الإنجاز"، فكانت اللوحات والأعمال عبارة عن مشاركة للأعمال في مرحلة ما قبل الاكتمال، لكن فكرتها تقوم على أن العمل عليها مستمر، وهو جزء من إبداع شاباتنا وشبابنا الحديث في مجال الفن الذي أخذ يبرعم في كل اتجاه.
وشملت الزيارة التمشي تحت شمس شتاء البلدة القديمة والاستمتاع بالجلوس على مقاهيها المتباهية بأفكارها التراثية. وهنا افترقنا حيث إن قصة السيارة لم تنته وإصلاحها يتطلب انتظار قطع غيار تطلب من حائل، فأثار هذا شهيتنا للضحك، ففضل فريق السيارة العودة بها إلى حائل لإصلاحها مباشرة هناك والتضحية ببرنامج العلا وما وراءها.
العلا تمثل لي تاريخا طويلا من العمل البحثي، ليس على جزء ددان منها وإنما الحجر/ مدائن صالح أيضا، التي ما فتئت منذ بدأت مرحلة دراساتي العليا وأنا أبهر بما تخبئه وراء نقوشها وحليات مقابرها ونصوص نسائها من أسرار.
وأكملت في مرحلة الدكتوراه التخصص فيها وفي المرأة النبطية بالتحديد لتكون مدائن صالح وفضاؤها فضائي وعالمي. وبالطبع كانت زيارتي الأولى لها في فترة تاريخية أخرى، حيث لم يكن هناك مطار ولا فندق ولا مطاعم ولا زيارة مفتوحة للمواقع، أو بالأحرى كانت الزيارة مفتوحة لددان ومقابرها لكن ليس للحجر التي كانت مسورة وعليها بوابة وحارس والدخول بتصريح حصلت عليه من وكالة الآثار، التي كان يشرف عليها وقتها الدكتور سعد الراشد الذي فتح لي مشكورا كل أبواب المتاحف والمواقع الأثرية.
لكن زيارتنا هذه المرة كانت مختلفة، كنت كالسياح، نسجل في التطبيق وندفع الرسوم ثم نحضر عند موقع تحرك الحافلة التي ستنقلنا إلى موقع الحجر أو ددان. كانت لي ولحسن الحظ زيارات أخرى خاصة، وذلك بعناية من الهيئة الملكية لمحافظة العلا التي ساعدتني في الوصول إلى هذه المواقع في أماكن غير سياحية كجزء من البحوث التي أجريها على تاريخ الأنباط، وقائمة من يستحقون الشكر طويلة ولعلي أختصرها في الدكتورة منيرة المشوح، مديرة المسوحات الأثرية في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، الممتلئة حماسا واهتماما وعملية ومهنية بكل عمل يصب في مصلحة تاريخنا وتراثنا، مذللة أمامي كل صعوبة في الوصول للقطع الأثرية الأم. فحرصت على تجربة الاثنين للتعرف على ما يقوم به أيضا شبابنا من عمل إرشادي جميل لهذه المواقع التي أصبحت تستأثر بعدد كبير من خريجي السياحة والآثار.
ومن يصل إلى العلا ويزور الخريبة وددان والحجر والبلدة القديمة يتبقى عليه أن ينطلق إلى ما حولها.. وإلى الشمال من العلا وعلى الطريق إلى تبوك نجد موقعا طبيعيا عجيبا يطلق عليه اسم "الغراميل" وهو عبارة عن تكوينات صخرية نحتتها الرياح وتركتها كالأعمدة ترتفع أمتارا عظيمة حينا وتنخفض حينا آخر، وتنتشر على مساحة واسعة على يمين الطريق إلى الداخل بعدة كيلومترات، وقد تحول إلى موقع لمحبي تأمل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
