بعد عقود من العقوبات وسوء الإدارة، يعود ملف النفط الفنزويلي إلى صدارة المشهد الدولي، وسط تطورات سياسية وأمنية متسارعة بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو على يد الإدارة الأميركية، وحديث متزايد عن دور واشنطن والشركات الغربية، ليتوقع عدد من محللي الطاقة عودة معدلات انتاج النفط الفنزويلي لمعدلاته خلال فترة قد تصل إلى 10 سنوات.
يقول بشار الحلبي، محلل أسواق النفط والطاقة لدى شركة Argus، في مقابلة مع «CNN الاقتصادية»، إن هذه المسألة تحتاج بطبيعة الحال تحتاج إلى بعض الوقت، لكن التطورات الأخيرة في فنزويلا أصبحت اليوم أحد أهم الملفات، إن لم تكن الملف الأساسي، ليس فقط على الصعيد السياسي، بل أيضاً على صعيد قطاع الطاقة والنفط تحديداً، حيث إنه هناك نقطة أساسية يجب التوقف عندها، وهي أن قطاع النفط في فنزويلا، بعد عقود من العقوبات وسوء الإدارة من قبل حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقبلها حكومة الرئيس الراحل هوغو تشافيز، إضافة إلى سيطرة الجيش بشكل أو بآخر على شركة النفط الفنزويلية «بادفيسا»، شهد تدهوراً كبيراً.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم، لكن إنتاجها انخفض بشكل حاد خلال العقد الماضي، ولا يمثل الآن سوى أقل من 1% من الإمدادات العالمية.
تعمل شركات النفط الأجنبية في فنزويلا منذ أكثر من قرن، وقد جعل القرب الجغرافي من الولايات المتحدة شريكاً استراتيجياً رئيسياً، كما أثبت النفط الفنزويلي الرخيص واللزج أنه المزيج الأمثل لشركات النفط الأميركية، التي شيدت بنية تحتية كاملة لمصافيها المخصصة للنفط الخام الفنزويلي.
وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، تبنت فنزويلا مجموعة من السياسات الجديدة التي تهدف إلى زيادة تحفيز الاستثمار في قطاع النفط.
لكن عندما تولى الاشتراكي هوغو تشافيز السلطة عام 1999، سيطر على شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) وترك البنية التحتية النفطية الفنزويلية تتدهور وتنهار، ما حال دون استغلال شركات النفط في البلاد كامل طاقتها الإنتاجية من النفط الخام، وبالتالي انخفاض إنتاج البلاد بأكثر من الثلث خلال ربع القرن الماضي.
وأضاف الحلبي أن هذا التدهور لم يكن فقط نتيجة العقوبات، بل أيضاً بسبب الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية، ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من الخبرات النفطية الفنزويلية من القطاع ومن الشركة الوطنية. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى التراجعات التي شهدناها خلال العشرين سنة الماضية في القدرة الإنتاجية الفنزويلية، والتي انخفضت بنحو مليوني إلى مليونين ونصف المليون برميل يوميا، وهذا ليس رقماً تفصيلياً أو هامشياً.
إعادة بناء قطاع النفط في فنزويلا كان الرئيس دونالد ترامب قد قال إنه يعول على الشركات الأميركية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي المنهار، لكن أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، على الرغم من جاذبيتها، قد تنطوي على مخاطر تفوق المكاسب بالنسبة لشركات النفط الأميركية العملاقة.
يتطلب استخراج المزيد من النفط من فنزويلا إعادة بناء البنية التحتية النفطية المتهالكة، وهو ما سيكلف، بحسب ترامب نفسه، مليارات الدولارات، وأسعار النفط الخام الحالية لا تُشجع على هذا النوع من الاستثمار، وإضافةً إلى ذلك تُعد عملية تكرير النفط الخام الفنزويلي تحديداً مشروعاً مكلفاً بحد ذاته.
ويقول محلل أسواق النفط والطاقة لدى شركة Argus، إن الرئيس الأميركي تحدث عن إمكانية إرسال ما بين ثلاثين وخمسين مليون برميل من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، على أن يتم شراؤها واستخدام عائداتها لمصلحة الشعب الفنزويلي، «هذه بطبيعة الحال رسائل سياسية مبطنة، لكن ما تحاول إدارة ترامب فعله هو إيصال رسالة للنظام الفنزويلي مفادها أنه إذا تم التعاون مع واشنطن، فقد تتحسن الأوضاع الاقتصادية».
ويرى الحلبي أن عودة الإنتاج الفنزويلي إلى مستوياته السابقة ليست مسألة قرار سياسي فقط، «ما سيحدث أولا هو تقديم ضمانات من الجانب الفنزويلي لهذه الشركات، لأن البيئة الاستثمارية الحالية، في ظل أسعار النفط، ليست مشجعة بشكل كبير، ثانيا، كلفة استخراج النفط الفنزويلي مرتفعة مقارنة بالنفط في دول مجاورة أو في الشرق الأوسط، كما أن كلفة معالجته ودمجه لتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق تمثل عاملاً أساسياً إضافياً، إضافة إلى أن المصافي الأميركية ستكون الوجهة الأساسية لهذا النفط، لذلك يمكنا القول إن عودة الإنتاج الفنزويلي تحتاج إلى وقت».
وعلى المدى القصير يرى الحلبي أنه يمكن إجراء تحسينات خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، قد ترفع القدرة الإنتاجية بنحو 200 إلى 300 ألف برميل يوميا، «أما على المدى المتوسط والبعيد، بين خمس وعشر سنوات، فالأمر يتطلب استثمارات ضخمة، حيث تشير الدراسات إلى الحاجة إلى أكثر من مئة مليار دولار لإعادة إحياء القطاع وتطويره، بهدف عودة فنزويلا إلى إنتاج يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميا».
إحياء إنتاج النفط الفنزويلي وترى شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة أن إحياء إنتاج النفط الفنزويلي ممكن تقنيا، لكن ضمن أفق زمني طويل يمتد إلى نحو 15 عاما، حتى يعود الإنتاج إلى مستوى 3 ملايين برميل يوميا، في حال انطلقت دورة استثمار جديدة في الوقت الحالي
وأضافت ريستاد إنرجي، أنه وبحسب الشركة، يمكن إضافة ما يصل إلى 300 ألف برميل يومياً من الإمدادات الإضافية عبر استثمارات محدودة تتركز في أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، إلا أن تجاوز مستوى 1.4 مليون برميل يومياً سيظل أمراً بالغ الصعوبة دون ضخ استثمارات كبيرة. وتشير التقديرات إلى الحاجة إلى استثمارات مستقرة تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً حتى عام 2040، لرفع الإنتاج إلى نحو 2 مليون برميل يومياً بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، ثم إلى 3 ملايين برميل يومياً لاحقاً، مع تخصيص جزء كبير من هذه الأموال في بداية الدورة لإصلاح خطوط الأنابيب ووحدات المعالجة والبنية التحتية للموانئ.
وترى ريستاد إنرجي، أنه من الضرورة ضخ أكثر من 30 مليار دولار من رأس المال الخارجي في المراحل الأولى لتوليد الزخم الاستثماري، «حيث أن أسعار النفط قد تحتاج إلى الاستقرار فوق نطاق 70 إلى 80 دولاراً للبرميل خلال ثلاثينيات القرن الحالي لتحقيق هدف 3 ملايين برميل يومياً، بينما تبدو مستويات تتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل يومياً أكثر واقعية في حال بقيت الأسعار دون ذلك».
وتُعد شيفرون آخر شركة نفط أميركية متبقية في البلاد، حيث تعمل بشكل متقطع على مدى العقد الماضي، إذ سمحت لها سلسلة من الاستثناءات الحكومية الأميركية بمواصلة بعض عملياتها هناك، ويُصدر نحو ربع إنتاج شيفرون من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة.
الاستثمارات المطلوبة لاستعادة الإنتاج الفنزويلي ويقدّر ديفيد جوربناز، الخبير في سوق النفط ومحلل أسواق النفط في ICIS، حجم الاستثمارات المطلوبة لاستعادة الإنتاج الفنزويلي بنحو 100 مليار دولار على مدى عقد تقريباً، لإعادة بناء طاقات المنبع وخطوط الأنابيب ووحدات المعالجة والتكرير وبنية التصدير، «يمكن أن يصل الإنتاج إلى نحو 1.3 1.4 مليون برميل يومياً خلال سنتين إلى ثلاث سنوات في حال توفر انتقال سياسي موثوق واستثمار مستدام، بينما يتطلب الوصول إلى مستويات تقارب 2.5 مليون برميل يومياً فترة تمتد بين خمس وعشر سنوات».
ويقول جوربناز،فرضية استحواذ الولايات المتحدة على كامل الإنتاج الفنزويلي غير واقعية، حتى مع نفوذ تشغيلي قوي، بسبب عقبات تتعلق بالسيادة والمطالبات القانونية وقابلية إنفاذ العقود والمخاطر الأمنية. أما على صعيد الإيرادات، فيشير إلى أن إضافة مليون برميل يومياً من الصادرات عند سعر 60 دولاراً للبرميل قد تولد نحو 22 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الإجمالية، قبل احتساب الخصومات وتكاليف التشغيل والضرائب وخدمة الدين.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
