تعكس التوترات المتزايدة في ليبيا بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بفعل الخلاف حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مؤخراً، انقساما واضحا يتجاوز آليات إدارة المفوضية إلى عدم وجود توافق سياسي وإرادة لإنهاء المرحلة الانتقالية، بما يضع خارطة الطريق الأممية أمام تحديات جمّة. إذ يرى مراقبون تحدثوا لـ"المشهد"، أن هذه التناقضات تتجاوز أبعادها الأجرائية والقانونية بينما تؤشر إلى عمق الأزمة السياسية وتعثر المسار الانتقالي.غياب قاعدة دستوريةويكشف هذا الخلاف حجم الرهانات المرتبطة بالانتخابات المقبلة، في ظل غياب قاعدة دستورية متوافق عليها، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتراجع ثقة الشارع في الأجسام السياسية، بما يفتح الباب أمام تعطيل الانتخابات أو تأجيلها وتقويض مصداقيتها، بحسب المصادر ذاتها.في ظل هذه التوترات السياسية، فإن بعثة الأمم المتحدة طالبت مجلسي النواب والدولة بضرورة تخفيض حدة التصعيد المتبادل على خلفية إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، والتي تعتبر ضمن الخطوات المركزية في خريطة الطريق السياسية التي تم طرحها في أغسطس الماضي.
وأعربت البعثة الأممية في بيانها أمس عن قلقها العميق إزاء تصاعد التوتر بين مجلسي النواب والدولة، معتبرة أن هذا التصعيد يشكّل تهديدًا جدّيًا لمسار العملية السياسية وخارطة الطريق الانتخابية.كما دعت المجلسين إلى وقف جميع الإجراءات الأحادية في هذا الملف، وحذّرت من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انقسام مؤسسي أوسع وتقويض ثقة الجمهور في المفوضية وقدراتها.إلى ذلك، شددت البعثة على أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تظل واحدة من الأطر المؤسسية القليلة التي حافظت على وحدتها وكفاءتها الفنية بجانب قدرتها على إدارة الاستحقاقات الانتخابية، ومن ثم فإن تجزئتها أو إخضاعها للصراعات السياسية قد يؤدي إلى تعطيل العملية الانتخابية وتأخيرها بلا جدوى.كما أكّدت البعثة أنها مستعدة للوساطة بين الطرفين، وأنها ستواصل العمل مع مجلس المفوضية الحالي للتحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية، بشرط وجود إطار قانوني قابل للتطبيق يضمن نزاهة الانتخابات وتقبل نتائجها.
في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن، في 19 ديسمبر الماضي، أشارت المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى أنه في حال استمرار الخلاف وعدم التوصل إلى اتفاق بين المجلسين، فإن البعثة قد تقترح آلية بديلة على مجلس الأمن لمعالجة هذه الأزمة، لجهة حلحلة الجمود السياسي الذي طال هذا الملف منذ أكثر من عقد.صراع سياسي
يقول الباحث الليبي المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور خالد الحجازي إن المشهد السياسي الليبي يشهد في الآونة الأخيرة "تصاعدًا مقلقًا" في حدة التوتر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، على خلفية الخلاف حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ورغم أن الخلاف يبدو في ظاهره قانونيًا أو إداريًا، إلا أنه في جوهره صراع سياسي يعكس عمق الأزمة التي يعيشها المسار الانتقالي في ليبيا.
وبحسب الحجازي في حديثه لـ"المشهد"، فإن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ليست مجرد "مؤسسة فنية"، بل تمثل "حجر الزاوية" لأي عملية انتخابية نزيهة وذات مصداقية. ومن هنا، فإن الصراع حول إدارتها يكشف حجم الرهانات المرتبطة بالانتخابات المقبلة، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى استعداد الأطراف السياسية للذهاب فعليًا إلى صناديق الاقتراع وقبول نتائجها.
إذ إن التوقيت الحالي لهذا التصعيد ليس عشوائيًا، على حد توصيف الباحث الليبي المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، بل يأتي في ظل غياب "قاعدة دستورية متفق عليها، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتراجع ثقة الشارع الليبي في الأجسام السياسية القائمة". هذا الفراغ الدستوري يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة للشرعية، ويجعل كل طرف يتمسك بقراءته الخاصة للقانون بما يخدم مصالحه السياسية.
كما يتسبب استمرار هذا الخلاف في تداعيات و"انعكاسات خطيرة" على المسار السياسي، أبرزها تعطيل الانتخابات أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، وهو ما يعني عمليًا إطالة عمر المرحلة الانتقالية واستمرار حالة اللااستقرار، وفق الحجازي. كما أن "تسييس المفوضية" أو التشكيك في شرعيتها سيؤدي إلى تقويض الثقة الشعبية في أي عملية انتخابية قادمة، حتى وإن أُجريت في موعدها.
ويردف: "المشكلة الحقيقية لا تكمن في آلية إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية بحد ذاتها، بل في غياب الإرادة السياسية الصادقة لإنهاء المرحلة الحالية. فبعض الأطراف لا ترى في الانتخابات وسيلة لحل الأزمة، بل تهديدًا مباشرًا لمواقعها ومصالحها، ولذلك تلجأ إلى تعطيلها عبر بوابات قانونية أو إجرائية".
ويختتم الباحث الليبي المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية حديثه قائلًا إن الخروج من هذا المأزق يتطلب توافقًا وطنيًا محدودًا وواقعيًا، يركز على تحييد المفوضية وضمان استقلاليتها، مع وضع جدول زمني واضح وملزم للعملية الانتخابية، وتقديم تعهدات صريحة بقبول النتائج. دون ذلك، سيظل المسار السياسي يدور في حلقة مفرغة، يدفع ثمنها المواطن الليبي أولًا و اخيراً.حياد المفوضية
من جهته، يرى المحلل والناشط السياسي الليبي السنوسي إسماعيل أنه على خلفية خريطة الطريق التي أعلنتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، دعت رئيسة البعثة إلى استكمال المقاعد الشاغرة الـ3 في مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبار ذلك خطوة إجرائية تضمن استمرارية عمل المفوضية من دون المساس ببنيتها أو استقلاليتها.
غير أن رئيس المجلس الأعلى للدولة، المتحالف مع حكومة طرابلس، محمد تكالة، وكتلًا أخرى داخله، طالبوا بتغيير كامل مجلس إدارة المفوضية، من دون تقديم مبررات واضحة لهذا المطلب، رغم أن مجلس الإدارة الحالي، برئاسة عماد السايح، نجح في الحفاظ على حياد المفوضية في ظل ظروف الانقسام السياسي، وتمكن من إنجاز الانتخابات البلدية، مكتسبًا خبرة معتبرة وسمعة إيجابية على المستويين المحلي والدولي، وفق حديث إسماعيل لـ"المشهد".
ومن هنا تفجّر الخلاف بين المجلسين، إذ أصرّ مجلس النواب على الاكتفاء بملء الشواغر الثلاثة، التزامًا بخطة بعثة الأمم المتحدة، وبالتنسيق مع رئيس المفوضية، بحسب المحلل والناشط السياسي الليبي، حيث جرى اختيار 3 شخصيات من صلب الوسط الانتخابي، وهم رؤساء فروع داخل المفوضية نفسها.
في المقابل، تمسّك رئيس المجلس الأعلى للدولة بمطلب تغيير كامل مجلس إدارة المفوضية، وصعّد المجلس من موقفه عبر عقد جلسة لاختيار رئيس جديد للمفوضية، في خطوة وُصفت بأنها "تأزيمية"، بحسب المصدر ذاته، الأمر الذي قوبل برفض واضح من بعثة الأمم المتحدة، التي أعلنت أنها ستتعامل حصريًا مع مجلس الإدارة الحالي ورئيسه عماد السايح.(المشهد)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
