مع بداية عام 2026، يستعد ملايين البريطانيين لحجز عطلاتهم المؤجلة، ومعها يعود جواز السفر إلى الواجهة بوصفه الوثيقة الأهم في رحلة العبور. ففي الأشهر الستة الأولى من عام 2025 وحده، أصدرت المملكة المتحدة أكثر من 3.8 مليون جواز سفر.. ورغم ذلك، يكتشف كثيرون بدهشة أن هذا الكتيّب الصغير، الذي يفترض أن يعكس تنوّع العالم، يلتزم بأربعة ألوان فقط تقريباً. أربعة ألوان تحكم العالم أكثر من 90% من جوازات السفر حول العالم تأتي بأحد هذه الألوان: الأحمر، الأزرق، الأخضر، أو الأسود.
ورغم وجود آلاف الخيارات اللونية نظرياً، فإن هذا التقيّد ليس صدفة ولا ذوقاً عشوائياً. يوضح خبير السفر جيمي فريزر من شركة وايلد باكس أن ألوان جوازات السفر تحمل دلالات سياسية وثقافية وتاريخية. فالأحمر غالباً ما يعكس هوية أوروبية أو ارتباطات سياسية تاريخية، بينما ينتشر الأزرق في دول الأميركيتين، ويرتبط الأخضر بالدول ذات الغالبية الإسلامية، في حين يُختار الأسود لأسباب تتعلق بالعملية أو التقاليد الرسمية. التوحيد لتسريع العبور مع توسّع السفر الدولي خلال القرن العشرين، بدأت الدول تميل إلى توحيد شكل جوازات السفر لتسهيل التعرف عليها في المطارات والمعابر الحدودية. لم يكن اختيار ألوان داكنة ومتقاربة بصرياً مجرد قرار جمالي، بل أداة عملية تساعد ضباط الهجرة على التمييز السريع بين الوثائق، خصوصاً في ظل التدفقات المتزايدة للمسافرين. الطباعة والأمن قبل الشكل لكن السياسة ليست العامل الوحيد؛ فخبراء الطباعة في شركة كاريك ساينز يشيرون إلى أن الاعتبارات التقنية والأمنية تلعب دوراً حاسماً. تخفي الألوان الداكنة مثل الكحلي، الأسود، أو الأحمر الداكن، آثار الاستخدام اليومي من خدوش وأوساخ، وهو أمر ضروري لوثيقة تُستعمل باستمرار لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات. الأهم من ذلك، أن أغلفة جوازات السفر تُصنع من مواد شديدة التحمل، من دون مبيّضات بصرية، وتحتوي على ألياف أمنية وطبقات مضادة للعبث وأحبار مقاومة للأشعة فوق البنفسجية. هذه المواصفات، وفقاً للخبراء، لا تعمل بكفاءة مع الألوان الفاتحة أو الزاهية، ما يجعل الخيارات اللونية عملياً محدودة للغاية. رغم هذا الإجماع العالمي، هناك استثناءان لافتان.. تعتمد النرويج لوناً وردياً مائلاً إلى السلموني في جوازات السفر العادية.
بينما اختارت فيجي اللون الفيروزي المستوحى من علمها الوطني، في خروج واضح عن القاعدة السائدة. قوة الجواز لم تعد في لونه في موازاة الحديث عن الألوان، أعادت مؤشرات عالمية تسليط الضوء على قوة جوازات السفر نفسها. فقد تراجع ترتيب الجواز البريطاني إلى المركز الخامس والثلاثين في مؤشر نوماد كابتاليست Nomad Capitalist، الذي يقيس جاذبية الجوازات للمستثمرين ورواد الأعمال. يصنّف المؤشر الـ199 دولة وفق خمسة معايير: حرية السفر من دون تأشيرة، والنظام الضريبي، والصورة العالمية، وازدواج الجنسية، والحريات الشخصية.. هذا العام، تصدّرت مالطا القائمة، تلتها اليونان وأيرلندا ورومانيا في المركز الثاني المشترك، ثم قبرص ضمن المراكز الخمسة الأولى. بينما يُظهر مؤشر هينلي لجوازات السفر (Henley Passport Index)، وهو التصنيف الأشهر والأكثر اعتماداً عالمياً لقياس قوة جوازات السفر استناداً إلى عدد الوجهات التي يمكن دخولها من دون تأشيرة مسبقة، صورة واضحة لتوازنات القوة والحرية في عالم التنقل خلال عام 2025.
ووفقاً للمؤشر الذي يقارن 199 جواز سفر عبر 227 وجهة، جاءت ليختنشتاين في ذيل العشرة الأوائل مع إمكانية دخول 182 دولة، تليها لاتفيا وكندا بإمكانية الوصول إلى 183 دولة، ثم مجموعة واسعة تحتل مرتبة متقاربة عند 184 دولة تضم المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة وسلوفينيا وسلوفاكيا وإستونيا وكرواتيا.
وترتفع القوة قليلاً مع 185 دولة لكل من بولندا ومالطا وأستراليا، ثم 186 دولة لحملة جوازات السويد والبرتغال والنرويج ونيوزيلندا والمجر واليونان.
وفي مرتبة أقوى، يتيح جواز كل من هولندا وأيرلندا وفرنسا وفنلندا والدنمارك وبلجيكا والنمسا دخول 187 دولة.
بينما تمنح جوازات سويسرا وإسبانيا ولوكسمبورغ وإيطاليا وألمانيا حرية السفر إلى 188 دولة.
أما اليابان فجاءت ضمن القمة مع 189 دولة، في حين تصدرت سنغافورة التصنيف كأقوى جواز سفر في العالم عام 2025، بإتاحة الدخول إلى 193 دولة من دون تأشيرة، في تأكيد جديد على أن قوة الجواز لم تعد مسألة لون أو شكل، بل انعكاساً مباشراً للثقة الدولية، والاستقرار السياسي، وقوة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية للدول.
الجغرافيا السياسية تغيّر قواعد التنقّل بحسب القائمين على التصنيف، فإن التعادل في النقاط يُحسم وفق مؤشر التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، ما يربط قوة الجواز مباشرة بمستوى المعيشة والتعليم والصحة. وفي الوقت نفسه، يؤكد خبراء المؤشر أن عوامل جيوسياسية مثل النزاعات والانتخابات باتت تؤثر بوضوح على حرية التنقّل، مع تراجع زخم التعافي الذي شهده العالم بعد جائحة كوفيد.
ما وراء الغلاف في المحصلة، لون جواز السفر ليس تفصيلاً شكلياً، بل نتيجة تداخل معقّد بين السياسة، والأمن، والتكنولوجيا، وسهولة الحركة عبر الحدود. ومع أن الغلاف قد يكون أحمر أو أزرق أو أخضر أو أسود، فإن القيمة الحقيقية للجواز اليوم تُقاس بقدرته على فتح الأبواب في عالم باتت فيه حرية التنقّل تحدياً.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية



