أزمة فنزويلا الأخيرة لم تعد حدثًا محليًا ولا حتى إقليميًا في نطاق أميركا اللاتينية، بل تحوّلت بسرعة إلى مرآة تعكس حجم الاختلال الذي أصاب النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فاعتقال رئيس دولة بالقوة من خارج حدود بلاده، وتحت ذرائع قانونية وسياسية متنازع عليها، شكّل سابقة خطيرة تمس جوهر مفهوم السيادة الوطنية، وتضرب في عمق المبادئ التي تأسس عليها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بتفويض جماعي واضح.
الصدمة التي أحدثها هذا الحدث لم تقتصر على فنزويلا وحدها، بل فجّرت انقسامًا دوليًا حادًا بين معسكر يرى في ما جرى فرضًا لإرادة القوة، ومعسكر آخر يعتبره تطبيقًا انتقائيًا للقانون الدولي يخدم مصالح جهة واحدة. هذا الانقسام يعكس في حقيقته أزمة أعمق: أزمة في شرعية النظام الدولي نفسه، وفي قدرة مؤسساته على ضبط سلوك الدول الكبرى، وفي حيادية القواعد التي يفترض أنها تحكم الجميع على قدم المساواة. عندما يُكسر هذا المبدأ، لا يعود الخلاف حول حادثة بعينها، بل حول من يملك حق تعريف القانون، ومن يملك حق خرقه، ومن يُجبر على الخضوع له.
من هذه الزاوية، جاءت ردود الفعل الحادة من بعض القوى الكبرى باعتبار ما جرى انتهاكًا صارخًا للسيادة وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الدولي. هذه القوى لم تدافع فقط عن دولة بعينها أو عن شخص بعينه، بل دافعت عن فكرة أن النظام الدولي لا يمكن أن يقوم على قاعدة أن الأقوى يقرر، وأن القانون يتحول إلى أداة سياسية تُستخدم ضد الخصوم وتُعطّل عند الحلفاء. ما جرى في فنزويلا بدا، في نظر كثيرين، إعلانًا عمليًا عن انتقال النظام العالمي من مرحلة «حكم القواعد» إلى مرحلة «حكم الوقائع المفروضة»، حيث تُخلق الشرعية بعد الفعل لا قبله، ويُعاد تفسير القانون بما يتناسب مع موازين القوة لا مع نصوصه الأصلية.
هذا التحول يضع الصين وروسيا أمام لحظة مفصلية. فهما تدركان أن التغاضي عن هذه السابقة يعني القبول ضمنيًا بإمكانية تكرارها في مناطق أخرى من العالم، وربما في ساحات تمس مصالحهما المباشرة. لذلك لم يكن موقفهما مجرد رد فعل سياسي، بل رسالة إستراتيجية مفادها أن منطق فرض الأمر الواقع بالقوة لن يمر بلا ثمن، وأن العالم يتجه نحو مرحلة تصادمية جديدة إذا لم تُستعد مكانة القانون الدولي كمرجعية حاكمة. في هذا السياق، بدأت ملامح إعادة تموضع واضحة، ليس فقط في الخطاب، بل في طريقة التفكير في التحالفات، وفي أدوات الردع، وفي مفهوم النفوذ ذاته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
