من مبادئ جيمس مونرو إلى إستراتيجية الرئيس ترامب أميركا أولا

لم تكن أميركا اللاتينية، يومًا، مجرّد امتدادٍ جغرافي جنوب الولايات المتحدة. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، أدركت واشنطن أن أمنها ونفوذها ومكانتها العالمية تمرّ عبر هذه القارة. فصيغت المبادئ، وتحوّلت الشعارات إلى أدوات دائمة للتدخّل السياسي والعسكري والاقتصادي. من مبدأ مونرو، وصولاً إلى إستراتيجية الرئيس ترامب الحديثة، ظلّ السؤال نفسه حاضراً، هل تمثّل أميركا اللاتينية شريكًا مستقلًا أم أنها الحديقة الخلفية تُدار من الشمال؟

عام 1823، أعلن الرئيس مونرو مبدأً، أصبح علامة فارقة في علاقات واشنطن بالقارة اللاتينية. جوهره بسيط في الظاهر، لا مكان لأوروبا، وأيّ تدخل أوروبي سيُعدّ تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة.

ظاهريًا، جاء المبدأ لحماية الدول اللاتينية من محاولات الاستعمار الأوروبي، لكنه حمل بين سطوره فكرةً واضحة، واشنطن هي الوصيّ على القارة. لاحقاً، تحوّل المبدأ إلى قاعدة إستراتيجية تمنع نفوذ الآخرين وتمنح الولايات المتحدة اليد العليا سياسيًا واقتصاديًا، تحت عنوان الحماية، حتى وإنْ كانت مكلفة للآخرين.

مع الوقت، ترسخت العبارة الشهيرة، أميركا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، ليس بوصفٍ جغرافي فحسب، بل باعتبارها فضاءً مغلقًا أمام القوى المنافسة. وبُني على هذه الرؤية دعم أنظمة موالية، والتدخل ضد المتمرّدة، وتشكيل منظومات اقتصادية تمنح واشنطن القدرة على توجيه القرار.

عام 1904 قدّم الرئيس روزفلت، ملحق لمبدأ مونرو. لم يعد الأمر يقتصر على رفض التدخل الأوروبي، بل منح واشنطن حقّ التدخل الاستباقي داخل دول القارة إذا رأت أن الفوضى قد تفتح الباب للأوروبيين. وهكذا تحوّل شعار حماية الاستقلال اللاتيني إلى فرض الوصاية الأميركية.

عبر العقود، تغيّر الخطاب، إلا أن الفكرة بقيت حاضرة، منطقة يجب أن تظلّ تحت السيطرة، حتى لو تغيّرت الأدوات.

نتيجة ذلك، كانت هناك تدخلات عسكرية في كوبا، بعد الحرب الإسبانية-الأميركية، 1898، أصبحت كوبا عمليًا تحت وصاية واشنطن. ثم أصبحت ساحة مواجهة خلال الأزمة مع الاتحاد السوفيتي، ومحاولة إنزال خليج الخنازير. فرضت واشنطن حصارًا اقتصاديًا طويلًا لا يزال أثره قائمًا. المثال الكوبي تحول من شعار الحماية إلى نزاع ممتد لعقود.

في بنما، دعمت واشنطن الانفصال عن كولومبيا عام 1903، وبنت وسيطرت على قناة بنما حتى 1999، ثم أطاحت بنورييغا عام 1989 تحت شعار استعادة النظام. الهدف ابقاء السيطرة لضمان امتياز النفوذ الأميركي الإستراتيجي.

في المكسيك، فُضِّل أسلوب التفاوض بدل الاكراه. من نافتا 1994، إلى اتفاق ترامب، تغيّرت القواعد ولكن بقي الهدف، تجارة حرّة، لكن بشروطٍ الأفضلية لأميركا.

في تشيلي، أسقط انقلابٌ عسكري حكومة سلفادور، بدعم أميركي، خوفًا من تمدد اليسار. تشيلي أصبحت فيما بعد نموذجًا لتجربة اقتصادية ليبرالية صارمة، لكنها دفعت ثمنًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا.

وفي فنزويلا، انتقلت واشنطن من الضغوط السياسية إلى العقوبات الواسعة على قطاع النفط، فاستخدم نموذج الخنق الاقتصادي. وانتهى الامر في اعتقال الرئيس مادورو من بيته الرئاسي يوم 4/1/2026. فنزويلا، ينتظرها مستقبل صعب، فسيطرة الشركات الأميركية على النفط والموارد الأخرى لا يمكن ان تتم الا إذا تعاونت الحكومة الفنزويلية، او ستعم الفوضى فيها، وتخسر فنزويلا أكثر من النفط. على الرغم من ان البنية التحية للصناعة النفطية متهالكة، الا انه استثماره، سيكون له انعكاس كبير ليس على فنزويلا او أميركا، بل على أسواق النفط العالمية، وقد ينهي منظمة أوبك، وينعكس سلباً أثره على الصين وأوروبا، ودول مجاورة أخرى وغيرها.

وتكرّر المشهد في غواتيمالا (1954)، ونيكاراغوا في الثمانينيات، وغرينادا (1983)، وجمهورية الدومينيكان (1965)، إضافة إلى تدخلات مباشرة وغير مباشرة في دول أخرى، بدوافع تتراوح بين مكافحة المخدرات، والفساد، وضمان الاستقرار، وترتيبات اقتصادية، تكرس صورة أميركا كمسيطر على القارة.

هكذا أضيفت طبقة جديدة فوق مبدأ مونرو، التدخل الوقائي باسم النظام.

خلال الحرب الباردة، أصبحت القارة ساحة صراع بين واشنطن وموسكو. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تغيّر الخطاب إلى الخصخصة، والإصلاحات الاقتصادية، ومكافحة الفساد، ومحارة المخدرات، لكن الجوهر بقي ثابتًا، بقاء القارة داخل المدار الأميركي.

الرئيس ترامب، لم يُلغِ الإرث القديم، بل صاغه بأسلوب أكثر مباشرة يخدم شعار أميركا أولًا. ركّز على الأمن والهجرة والحدود. معتبرها قضايا أمن قومي. في الاقتصاد، أعاد التفاوض على الاتفاقيات، وفضّل الصفقات القصيرة الواضحة على الوعود الطويلة. لكن الرئيس ترامب، يرى ابعد من ذلك.

لكن المعركة لم تعد داخل القارة فحسب، فالحاجة دفعت دول أميركا اللاتينية للحصول على التمويل لإنشاء البنى التحتية والاستثمار من قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، التي توسعت عبر الاستثمارات والديون. فارتفعت تجارتها مع دول القارة إلى نحو 450 480 مليار دولار بعد أن كانت أقل من 20 مليار عام 2000، وانضمت أكثر من 20 دولة لاتينية إلى مبادرة الحزام والطريق. وهكذا تحوّلت المنطقة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة المملكة منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 12 ساعة
خبرني منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ 8 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات
قناة المملكة منذ 12 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة