«المستحيلات العشر» في الإمارات.. حتى لا تصبح المحاكاة «حرثاً في الماء»؟

ليست التجربة الإماراتية نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، ولا وصفة سريعة يمكن لأي دولة أن تطبقها فتبلغ النتيجة ذاتها، فمحاولة محاكاتها حرفياً تشبه إلى حد بعيد حرث الماء: جهد يُبذل بكثافة، وأدوات تُستخدم بوفرة، لكن الأثر لا يتراكم، والنتيجة تتبدد قبل أن تُرى.

إن ما حققته الإمارات من «مستحيلات» لم يكن هبةً جغرافية أو محض مصادفة مالية، بل هو نتاج «صبر استراتيجي» مرير، عانت فيه الدولة طوال عقود من تحديات التأسيس وبناء الثقة في بيئة إقليمية صعبة. لقد آثرت الإمارات الاستثمار في «منظومة التشريع» قبل «ناطحات السحاب»، وفي «صناعة السمعة» قبل «جني الأرباح»، مدركةً أن الثقة هي العملة الأصعب التي لا تُطبع في البنوك، بل تُسك في مختبرات الأزمات.

ودائماً ما تعلن دولة الإمارات منجزاتها بشفافية لكي تلهم الآخرين لا لتكايدهم، بل وتقدم يد التعاون لنقل خبراتها التنموية لمحيطها وإقليمها، حتى لا تتحول الجهود والمساعي إلى «اجتهادات» كمن يحرث في الماء، بل إن دولة الإمارات تستقبل حكومات العالم في قمة سنوية لتبادل المعارف وتشكيل مختبرات ابتكار وإبداع لاستنساخ تجربتها بشكل معلن لدول عدة، لإيمانها بأن تنمية الجوار والمحيط والإقليم سيعود عليها بالنفع من دون وجود أي مخاوف أو شكوك في نيل حصص أو استقطاع من نصيبها.

فهم السياق العام لا المجتزأ

الإمارات لم تبنِ إنجازاتها عبر تقليد نماذج قائمة أو استعجال الثمار، بل عبر تبنّي فلسفة بناء طويلة النفس، ترى الدولة ككائن حي ينمو بالتدرج، لا كمشروع عقاري يُراد تسليمه في موعد محدد. لذلك، فإن ناطحات السحاب، والمطارات العملاقة، والمؤشرات العالمية المتقدمة، ليست سوى نتائج نهائية لمسار ذهني وتشريعي وسياسي بدأ قبل عقود، وتشكّل بهدوء بعيداً عن الضجيج، واختُبر مراراً في لحظات الأزمات قبل أوقات الرخاء.

الخطأ الشائع لدى من يحاول تقليد التجربة الإماراتية هو التركيز على ما يُرى لا على ما لا يُرى، تُستنسخ القوانين دون فهم السياق الذي وُلدت فيه، وتُبنى البنية التحتية دون وجود منظومة ثقة تحميها، وتُضخ الأموال دون وجود عقد اجتماعي يضمن استدامة الأثر.

وهكذا يتحول البناء إلى سباق شكلي، وتتحول التنمية إلى أرقام بلا روح، ويصبح الإنجاز هشّاً أمام أول اختبار سياسي أو اقتصادي.

في جوهرها، كانت التجربة الإماراتية إجابة عملية على معضلة عربية قديمة: كيف نخرج من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل؟ كيف نبني دولة لا تلهث خلف الأحداث بل تسبقها؟ هنا تحديداً يكمن الشهد الذي حصدته الإمارات؛ ليس في المال ولا في الموقع الجغرافي وحدهما، بل في القدرة على تحويل الاستقرار إلى أداة إنتاج، والزمن إلى حليف، والتشريع إلى محرك، والثقة إلى أصل استراتيجي أثمن من أي مورد طبيعي.

التنمية مسار

من هذا المنطلق، فإن الحديث عن الإمارات ليس حديث مقارنة، بل درساً في الفهم: أن البناء الحقيقي لا يبدأ من القمة بل من الفلسفة، وأن التنمية ليست قراراً سياسياً عابراً، بل مساراً تلتزم به الدولة جيلاً بعد جيل، وما لم تدرك الدول هذه الحقيقة، ستظل تحرث الماء، بينما يظل الشهد بعيداً عنها، محفوظاً لمن فهم منطق البناء قبل أن يسأل عن نتائجه.

جوهر النموذج الإماراتي يقوم على ما يمكن تسميته «نظام تشغيل دولة»، لا تصريحات أو وعوداً، فالعناصر التي يتكون منها هذا النظام تعمل بشكل مترابط، بحيث يؤدي اختلال أي عنصر إلى إضعاف البقية.

في قلب هذا النظام يقف الاستقرار السياسي، والاستقرار في الحالة الإماراتية يعني وضوح مركز القرار، واستمرارية السياسات لعقود، هذا خلق ما يمكن وصفه بالزمن الآمن للاستثمار، حيث يشعر المستثمر أن القواعد التي يدخل بها اليوم ستظل قائمة غداً وبعد عشرين عاماً.

في دول تتغير سياساتها مع كل دورة سياسية أو كل أزمة، يصبح الاستثمار مغامرة، مهما بلغت العوائد المحتملة.

هذا السلوك التشريعي نادر عالمياً، لأن كثيراً من الدول تربط القانون بالهيبة السياسية، فتتحول القوانين إلى عوائق بدل أن تكون محركات.

المجتمع يرسخ النموذج

الانفتاح الثقافي والاجتماعي في التجربة الإماراتية لم يكن خياراً أخلاقياً مجرداً، بل أداة اقتصادية واعية، فاستيعاب أكثر من مئتي جنسية لم يُنتج فقط تنوعاً سكانياً، بل خلق شبكة عالمية حية من العلاقات، ونقل معرفة غير مباشر، وتلاقح أفكار مستمراً.

كثير من الدول تفتح اقتصادها لكنها تُغلق مجتمعها، فتفشل في جذب العقول حتى لو جذبت رؤوس الأموال، الإمارات فتحت الاثنين معاً، ولكن بضبط قانوني صارم، جعل الانفتاح عاملاً للاستقرار لا للفوضى.

الأمن في النموذج الإماراتي يُفهم بصورة أشمل من المفهوم التقليدي، هو أمن شخصي يشعر به الفرد في حياته اليومية، وأمن قانوني يضمن عدالة الإجراءات ووضوح القواعد، وأمن مالي يحمي الملكية ويضمن حرية تحويل الأموال واستقرار السياسات الضريبية.

المستثمر لا يخاف فقط من الجريمة، بل من نزاع قضائي غير عادل، أو تغيير مفاجئ في القوانين، أو قيود غير متوقعة على رأس المال.

أما البنية التحتية، فهي التعبير المادي الأوضح عن عقلية التفكير طويل الأمد.

التهيئة للمستقبل

الإمارات لم تبنِ بنية تحتية تخدم الطلب الحالي، بل بنت قبل الطلب، وسبقت الجميع، مشاريع مثل مطار آل مكتوم في دبي أو مطار زايد الدولي الجديد بأبوظبي، قد تبدو للبعض مشاريع مبالغاً فيها، لكنها مهيأة لعالم بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، الدول التي تبني حسب الحاجة فقط تصل دائماً متأخرة، وتظل في حالة لحاق دائم بالتحولات العالمية.

في قلب هذا كله يبرز توطين التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بوصفه التحول الأعمق في النموذج الإماراتي.

الدولة لم تكتفِ بدور المستخدم للتكنولوجيا، بل انتقلت إلى الشراكة ثم إلى التطوير.

عامل الزمن هو العنصر الذي يُساء فهمه غالباً عند تقييم التجربة، فالتنمية ليست سباق سرعة، بل سباق ثقة، ما يحتاج إلى وقت طويل ليس بناء الأبراج أو الموانئ، بل تراكم السمعة، واختبار القوانين في الأزمات، وتكوين ذاكرة مؤسسية قادرة على التعلم.

أوجاع في الطريق

الإمارات مرت بانهيارات أسواق، وأزمات نفط، وجائحة عالمية، وتوترات جيوسياسية، وخرجت من كل ذلك دون انهيار النموذج، هذه الاختبارات لا يمكن تسريعها أو تجاوزها نظرياً، أي دولة تبدأ اليوم تحتاج إلى جيل كامل ليقول العالم بثقة إنها دولة يمكن الاعتماد عليها.

من هنا يصبح واضحاً لماذا التكرار ممكن نظرياً وصعب عملياً. نظرياً، يمكن لأي دولة أن تكتب القوانين، وتبني الموانئ، وتفتح اقتصادها. لكن عملياً، هناك فجوة الزمن، وفجوة السمعة، وفجوة المنافسة المباشرة. الدول التي تبدأ اليوم تدخل ساحة مزدحمة، بينما بدأت الإمارات في وقت كانت فيه الساحة شبه فارغة، السمعة لا تُشترى، بل تُبنى عبر آلاف القرارات الصغيرة الصحيحة، وقد تُدمّر بقرار واحد خاطئ.

وفوق ذلك، فإن أي دولة تحاول محاكاة النموذج ستجد نفسها في منافسة مباشرة مع الإمارات نفسها، التي تمتلك الخبرة، والشبكات، والثقة المتراكمة، ما يجعل السباق غير متكافئ منذ البداية.

هذه كانت المقدمة، فإلى التفاصيل والأرقام واستقصاء الحقائق:-

فلسفة البناء المتراكم

منذ تأسيس الاتحاد عام 1971، انطلقت دولة الإمارات في رحلة استثنائية حولت الصحراء إلى منارة عالمية، وإذا كانت دبي هي درة التاج ببريقها السياحي، والتجاري، والعقاري، واللوجستي الذي يخطف الأنظار، فإن الاتحاد هو الجسد والروح الذي منح هذا النموذج استدامته وقوته.

إن ما وصلت إليه الدولة اليوم ليس وليد الصدفة أو طفرة مؤقتة، بل هو نتاج تخطيط مؤسسي دؤوب امتد لأكثر من خمسة عقود من بناء الثقة والتشريعات المتطورة، ما يجعل تكرار هذا النموذج في أي سياق آخر تحدياً يحتاج لسنوات طويلة من العمل لبناء منظومة الكفاءة التي تميز الإمارات اليوم.

إلى المستحيلات العشر، تفصيلاً:-

المستحيل الأول: دبلوماسية وحكمة القيادة

تتبنى الإمارات سياسة خارجية قائمة على التوازن الاستراتيجي، تصفير المشكلات، وبناء الجسور، ما جعلها لاعباً لا غنى عنه في الساحة الدولية.

نجحت الإمارات في عامي 2024 و2025 في قيادة وساطات دولية معقدة، من بينها ملفات تبادل أسرى بين قوى كبرى، وهو ما عزز مكانتها كقوة ناعمة موثوقة عالمياً قادرة على إدارة الملفات الحساسة بعيداً عن الاستقطاب.

وفي بيئة إقليمية مضطربة، تفردت الإمارات باستقرار تشريعي وسياسي نادر، لتتحول إلى الواحة الآمنة لرؤوس الأموال والعقول العالمية، وهو عامل حاسم في تدفقات الاستثمار طويلة الأجل.

وقد تُوج هذا المسار بحلول الدولة في المركز العاشر عالمياً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2025، في انعكاس مباشر لثقلها الدبلوماسي، الثقافي، والاقتصادي المتنامي.

المستحيل الثاني: موانئ الإمارات

لم تكتفِ الإمارات بإدارة موانئها المحلية، بل أصبحت تدير شريان التجارة العالمي ومفاصل الربط بين القارات الست.

تدير موانئ دبي العالمية اليوم أكثر من ثمانين محطة بحرية ولوجستية موزعة على أربعين دولة، وفي عام 2025 سجلت المجموعة مناولة تاريخية تجاوزت ثمانين مليون حاوية نمطية، بما يعادل نحو عشرة في المئة من حركة الحاويات العالمية، وهو نفوذ لوجستي فعلي قلّ نظيره.

في المقابل، واصلت مجموعة موانئ أبوظبي توسعها السريع في البحر الأحمر والبحر المتوسط ووسط آسيا، محققة نمواً في الأرباح تجاوز عشرين في المئة خلال عام 2025، مدفوعة بصفقات استحواذ وتشغيل استراتيجية.

ويمثل التكامل الفريد بين الموانئ والمطارات، عبر نموذج النقل بحر جو، أحد أعمدة السيادة اللوجستية الإماراتية، حيث نشأت أسرع شبكة إمداد في العالم، وهو إنجاز استغرق تطويره أكثر من ثلاثين عاماً من التخطيط والاستثمار المتراكم.

موانئ دبي العالمية (DP World):

تدير أكثر من 80 محطة بحرية ولوجستية في أكثر من 40 دولة.

مناولة تتجاوز 80 مليون حاوية نمطية سنوياً (2025)، أي ما يقارب 10% من حركة الحاويات العالمية.

حضور استراتيجي في آسيا، إفريقيا، أوروبا، والأميركتين.

مجموعة موانئ أبوظبي:

توسع سريع في البحر الأحمر، المتوسط، ووسط آسيا.

نمو في الأرباح تجاوز 20% خلال 2025.n

لعبت دوراً محورياً في تأمين سلاسل الإمداد العالمية.n

التكامل اللوجستي:

الربط بين الموانئ والمطارات (نموذج بحر جو) خلق واحدة من أسرع شبكات الإمداد في العالم.n

نموذج احتاج أكثر من 30 عاماً من التطوير المتراكم.

المستحيل الثالث: التنافسية العالمية

حققت الإمارات قفزة نوعية في تقرير التنافسية العالمية لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتطوير الإداري، حيث استقرت في المركز الخامس عالمياً، متقدمة على قوى اقتصادية تقليدية كبرى.

وتصدرت الدولة عالمياً في كفاءة سوق العمل، وغياب البيروقراطية، ومعدلات التوظيف، إضافة إلى مستويات التماسك الاجتماعي، كما برزت قدرتها العالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة كأحد عناصر تفوقها المؤسسي.

وكل ما سبق جاء نتيجة إيمان قيادي بضرورة بلوغ المركز رقم واحد عالمياً.

المستحيل الرابع: اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي

نجحت دولة الإمارات في بناء نموذج تنوع اقتصادي استثنائي، قائم على المعرفة، وانعكس في وصول مساهمة القطاعات غير النفطية إلى 77.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2025.

وجاء ذلك متزامناً مع ميزانية اتحادية متوازنة بلغت 71.5 مليار درهم في 2025 دون تسجيل أي عجز، في دلالة واضحة على قوة الإدارة المالية العامة.

وتدير الدولة عبر صناديقها السيادية أصولاً تتجاوز قيمتها 2.5 تريليون دولار، مع التزام تاريخي بضخ 1.4 تريليون دولار في قطاعات المستقبل، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة المتجددة.

الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية

لم تعد الإمارات مجرد مستخدم للتقنية، بل أصبحت مصدراً ومختبراً عالمياً للذكاء الاصطناعي، وهو ما توثقه الحقائق التالية:

الصدارة العالمية:

حققت الإمارات أعلى معدل لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات عالمياً بنسبة 97% في عام 2025.

استثمارات نصف التريليون:

تجاوزت الاستثمارات الموجهة للذكاء الاصطناعي 543 مليار درهم (نحو 148 مليار دولار) خلال عامي 2024 و2025، مدعومة بشركاء عالميين مثل Microsoft وOpenAI.

مشروع «ستارغيت الإمارات»:

إطلاق مجمع حوسبة متطور بقدرة 1 غيغاواط في أبوظبي بالتعاون مع G42 وOpenAI، وهو الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة، لخدمة مليارات المستخدمين بقدرات معالجة فائقة.

مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية»:

أعلنت الإمارات في قمة مجموعة العشرين عن مبادرة بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع AI في الدول الإفريقية، ما يرسخ نفوذها التكنولوجي الإنساني.

القوى البشرية:

تجاوز عدد المبرمجين في الدولة 450 ألف مبرمج بنهاية 2025، مع وجود أول جامعة للدراسات العليا للذكاء الاصطناعي في العالم (جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي).

المستحيل الخامس: قطاع العقارات والسياحة

يُعد القطاع العقاري أحد المحركات الاستراتيجية للنمو في الإمارات، مدعوماً بتشريعات مرنة وبيئة آمنة.

أتاحت الدولة التملك الحر بنسبة مئة في المئة للأجانب في مناطق استراتيجية، ما جذب استثمارات ضخمة من أوروبا والهند وروسيا وآسيا، وربطت الإقامة الذهبية لمدة عشر سنوات بالاستثمار العقاري بقيمة مليوني درهم فأكثر، وهو ما دفع مبيعات عقارات دبي في عام 2024 إلى مستوى قياسي بلغ 522 مليار درهم.

وصنّف تقرير نايت فرانك لعام 2025 دبي كأكثر أسواق العقارات الفاخرة نشاطاً في العالم للسنة الثالثة على التوالي، لترسخ مكانتها كملاذ آمن للثروات العالمية.

ودبي وفق التقرير، هي السوق الأول عالمياً للعقارات الفاخرة للعام الثالث على التوالي.

تملك الأجانب والإقامات طويلة الأمد

تملك حر 100% للأجانب في مناطق استراتيجية (دبي، أبوظبي).

الإقامة الذهبية (10 سنوات): مرتبطة بالاستثمار العقاري بقيمة 2 مليون درهم فأكثر.

المستثمرون الأجانب يمثلون أكثر من 45% من حجم الصفقات العقارية في دبي.

هذه السياسات حوّلت الإمارات من محطة مؤقتة إلى وطن للجميع، وموطن دائم للاستثمار والعقول.

السياحة نتيجة لا سبب فلسفة الإمارات تجلت في هذا القطاع الذي بنيت قوائمه على أن يكون نتيجة لا سبب، فتهيئة البنية التحتية الفاخرة، وشبكة الطرق والمواصلات العالمية، ثم البيئة الاستثمارية التشريعية ستجلب الجميع، ومن هنا تبدأ كتابة أول أسطر نجاح قطاع السياحة. وبحسب إحصاءات رسمية إماراتية، فإن إيرادات الفنادق تجاوزت 36 مليار درهم في الأشهر التسعة الأولى من 2025، ونسب إشغال قياسية بلغت 79.2%، لتصبح بذلك، دبي من أكثر المدن استقبالاً للزوار الدوليين عالمياً.

المستحيل السادس: البورصات وانفتاح أسواق المال

شهدت أسواق المال الإماراتية تحولات هيكلية عميقة عززت جاذبيتها العالمية. فقد رُفعت نسب تملك الأجانب في عدد كبير من الشركات القيادية إلى 49 و100 في المئة.

وتجاوزت القيمة السوقية للأسواق الإماراتية 3.6 تريليون درهم في عام 2025، مدفوعة باكتتابات عامة نوعية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.

وأصبح المستثمرون الأجانب يمثلون أكثر من نصف حجم التداول اليومي، مدعومين بإدراج الأسواق ضمن مؤشرات عالمية كبرى.

كما أن شركات التداول في أسواق الفوركس والعملات المشفرة المرخصة هي الأكثر انتشاراً في أي دولة في العالم، فضلاً عن قوة حوكمة القطاع المصرفي، واعتماد الإمارات على البيتكوين كوسيلة دفع، بل وتدشين عملة رقمية مستقرة.

المستحيل السابع: المطارات- بوابة العالم

تمتلك الإمارات واحدة من أكثر البنى التحتية الجوية تطوراً عالمياً.

وواصلت مطارات دولة الإمارات تحقيق نتائج أداء قياسية على صعيد أعداد المسافرين، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، إذ سجلت مطارات أبوظبي، ومطار دبي الدولي، ومطار الشارقة الدولي نحو 108.59 مليون مسافر حتى نهاية سبتمبر.

حافظ مطار دبي الدولي على موقعه كأزحم مطار دولي في العالم، مع توقعات بتجاوز عدد المسافرين 88 مليون مسافر بنهاية 2025.

وفي الوقت ذاته، انطلقت المرحلة التوسعية الكبرى لمطار آل مكتوم الدولي، التي تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية إلى 130 مليون مسافر، ليصبح الأكبر عالمياً عند اكتماله.

أما في مجال الشحن الجوي، فقد تم التعامل مع أكثر من 2.2 مليون طن خلال النصف الأول من عام 2025، ما يعزز موقع الدولة كمركز لوجستي عالمي متكامل.

إحصائيات مطار دبي الدولي (DXB) لعام 2025، وهي إحصائيات تاريخية توثق وصول المطار إلى ذروة أدائه العالمي، مدمجة ببيانات الربع الثالث والنصف الأول من العام كما أعلنتها «مطارات دبي»:

إحصائيات الحركة الإجمالية (2025)

إجمالي المسافرين (9 أشهر): استقبل المطار 70.1 مليون مسافر خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بزيادة قدرها 2.1% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

الربع الثالث (القياسي): حقق المطار أعلى حركة مسافرين ربع سنوية في تاريخه الممتد لـ65 عاماً، حيث استقبل 24.2 مليون مسافر بين يوليو وسبتمبر 2025.

النصف الأول: سجل المطار 46 مليون مسافر، وهو أعلى معدل حركة في نصف عام طوال تاريخ المطار.

توقعات نهاية العام: من المتوقع أن يصل إجمالي عدد المسافرين بنهاية ديسمبر 2025 إلى 96 مليون مسافر، ليقترب المطار من الحاجز الرمزي (100 مليون مسافر سنوياً).

الأسواق والوجهات التصديرية (يناير- سبتمبر 2025)

حافظت الأسواق التقليدية على صدارتها مع نمو ملحوظ في الوجهات السياحية الجديدة:

أعلى الدول: تصدرت الهند القائمة بـ8.8 مليون مسافر، تلتها السعودية (5.5 مليون)، ثم المملكة المتحدة (4.6 مليون)، ثم باكستان والولايات المتحدة.

أعلى المدن: جاءت لندن في المركز الأول بـ2.8 مليون مسافر، تلتها الرياض بـ2.3 مليون مسافر.

الكفاءة التشغيلية والتقنية

سرعة الإجراءات: نجح المطار في إنهاء إجراءات الجوازات لـ99.6% من المغادرين في أقل من 10 دقائق، ولـ99.8% من القادمين في أقل من 15 دقيقة.

نظام الأمتعة: تعامل المطار مع 63.8 مليون حقيبة بنسبة دقة مذهلة بلغت 99.9% (حقيبتان فقط لكل 1000 مسافر لم تصلا في موعدهما).

حركة الطيران: سجل المطار 336 ألف رحلة خلال الأشهر التسعة الأولى، بزيادة 2.7%، بمتوسط 213 مسافراً لكل رحلة.

بدورها، أعلنت «طيران الإمارات» عن بدء تنفيذ خطة شاملة لتركيب خدمة «ستارلينك» للإنترنت فائق السرعة على جميع طائرات أسطولها في الخدمة، بدءاً من نوفمبر 2025، على طائرات «بوينغ 777»، على أن يكتمل تنفيذ المشروع بالكامل بحلول منتصف عام 2027.

مطار زايد الدولي في أبوظبي

يُعد مطار زايد الدولي (AUH) في أبوظبي حجر الزاوية في طموحات العاصمة الإماراتية لتصبح مركزاً عالمياً للطيران، وقد حقق منذ افتتاحه وتغيير هويته في أواخر 2023 وحتى مطلع 2026 قفزات تاريخية وضعت المعايير الدولية في كفة، ومنجزاته في كفة أخرى.

وهنا نجد أبرز منجزات المطار الموثقة لعامي 2024 و2025:

الأداء التشغيلي والنمو القياسي (2024-2025)

رقم قياسي للمسافرين: في عام 2024، استقبل المطار 29.4 مليون مسافر، بزيادة قدرها 28.1% مقارنة بالعام السابق.

استدامة النمو في 2025: خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، سجّل المطار 15.5 مليون مسافر (بنمو 13.2%)، واستمر الزخم في الربع الثالث ليصل الإجمالي التسع شهري إلى أكثر من 24 مليون مسافر.

توسع الشبكة: أضاف المطار أكثر من 16 وجهة جديدة في 2025 واستقطب شركات طيران عالمية كبرى مثل «الخطوط الجوية البريطانية» و«إير فرانس» وشركات صينية عملاقة، ما عزز مكانته كحلقة وصل دولية.

التميز المعماري والجوائز العالمية

أجمل مطار في العالم: في ديسمبر 2024، تُوّج المطار بلقب «أجمل مطار في العالم» ضمن جوائز «بري فرساي» (Prix Versailles) المرموقة للهندسة المعمارية، بفضل تصميمه المستوحى من الكثبان الرملية الذي يدمج الإضاءة الطبيعية بالفن المعماري.

أفضل تجربة وصول: حصل المطار على جائزة «أفضل مطار في العالم لتجربة المسافرين القادمين» للعام الثالث على التوالي (2025) من قبل مجلس المطارات الدولي (ACI).

الريادة في التجزئة: فاز بجائزة «أفضل مطار في تجربة التسوق» لعام 2025 ضمن جوائز «فرونتير»، بفضل سوقه الحرة التي تمتد على مساحة 35 ألف متر مربع.

الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي

الرحلة البيومترية المتكاملة: يُعد المطار الأول عالمياً الذي يطبق تسجيل الوصول البيومتري الكامل (بصمة الوجه) في جميع نقاط الاتصال الـ9، من دخول المطار وحتى بوابة الطائرة، ما يلغي الحاجة للوثائق الورقية ويسرع الإجراءات بنسبة 70%.

مركز التخليص المسبق للولايات المتحدة: المطار الوحيد في المنطقة الذي يضم مرفقاً متطوراً يسمح للمسافرين بإكمال إجراءات الهجرة والجمارك الأميركية في أبوظبي، ليدخلوا أميركا كمسافرين محليين.

اللوجستيات والشحن الجوي

نمو الشحن: سجلت حركة الشحن نمواً كبيراً بنسبة 21% في عام 2024، مع مناولة أكثر من 678,000 طن، ما عزز دور أبوظبي كمركز لوجستي حيوي للتجارة العالمية.

تطوير البنية التحتية: البدء في بناء مرافق شحن حديثة ومؤتمتة بالكامل لرفع الطاقة الاستيعابية بما يتوافق مع رؤية «أبوظبي 2030».

إن مطار زايد الدولي ليس مجرد مبنى للمسافرين، بل هو «سفارة جوية» تعكس قوة الإمارات الناعمة وتطورها التقني، لقد تحول من مطار محلي إلى واحد من أكثر المطارات كفاءة وجمالاً في التاريخ الحديث في أقل من سنتين من التشغيل الفعلي لمبنى المسافرين الجديد.

المستحيل الثامن: الذكاء الاصطناعي

أطلقت الإمارات استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2031 بهدف جعل الدولة مختبراً عالمياً مفتوحاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية مئوية الإمارات 2071.

وكانت الإمارات من أوائل دول العالم التي أسست وزارة متخصصة للذكاء الاصطناعي، وعملت على دمج تقنيات AI في جميع الخدمات الحكومية، وتحسين جودة الحياة، وبناء منظومة ابتكار وطنية قوية.

بين عامي 2024 و2025، وصل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات إلى 97 في المئة، وهو من أعلى المعدلات عالمياً، مع وجود أكثر من 450 ألف مبرمج داخل الدولة.

وتجاوزت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي 543 مليار درهم خلال الفترة نفسها، مع دخول شركات عالمية كبرى في شراكات استراتيجية.

كما أُطلق في أبوظبي أكبر مجمع عالمي للحوسبة المتقدمة خارج الولايات المتحدة بطاقة خمسة غيغاواط، وظهرت نماذج محلية متقدمة مثل Falcon Arabic.

وشهدت الدولة كذلك نمواً كبيراً في عدد الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، خاصة في أبوظبي، مع توسع منظومة الأمن السيبراني وتأسيس مراكز عالمية متخصصة.

الذكاء الاصطناعي السيادة الرقمية (منجزات 2025-2026)

لم تعد الإمارات مجرد مستخدم للتقنية، بل أصبحت مصدراً ومختبراً عالمياً للذكاء الاصطناعي، وهو ما توثقه الحقائق التالية:

الصدارة العالمية: حققت الإمارات أعلى معدل لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات عالمياً بنسبة 97% في عام 2025.

استثمارات نصف التريليون: تجاوزت الاستثمارات الموجهة للذكاء الاصطناعي 543 مليار درهم (نحو 148 مليار دولار) خلال عامي 2024 و2025، مدعومة بشركاء عالميين مثل Microsoft وOpenAI.

مشروع «ستارغيت الإمارات»: إطلاق مجمع حوسبة متطور بقدرة 1 جيجاواط في أبوظبي بالتعاون مع G42 وOpenAI، وهو الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة، لخدمة مليارات المستخدمين بقدرات معالجة فائقة.

مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية»: أعلنت الإمارات في قمة مجموعة العشرين عن مبادرة بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع AI في الدول الأفريقية، مما يرسخ نفوذها التكنولوجي الإنساني.

القوى البشرية: تجاوز عدد المبرمجين في الدولة 450 ألف مبرمج بنهاية 2025، مع وجود أول جامعة للدراسات العليا للذكاء الاصطناعي في العالم (جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي).

المستحيل التاسع: جذب العقول والثروات

واصلت الإمارات تصدرها كوجهة أولى عالمياً لهجرة المليونيرات، حيث استقبلت أكثر من 6700 مليونير جديد خلال عامي 2024 و2025.

وأسهمت جودة الحياة، والأمان، وتكامل الخدمات، والبنية التشريعية المرنة في جعل الدولة البيئة المفضلة للمواهب والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم.

المستحيل العاشر: قطاع الطاقة

يمضي قطاع الطاقة في دولة الإمارات على بصيرة ورؤية من القيادة، وبالتبعية، وعلى بصر وعلم من الرئاسة التنفيذية التي تدير القطاع بصناعاته المختلفة، لذا فالطاقة هي الركيزة الأساسية للنهضة الاقتصادية، وقد أجلنا التحدث عنه، لمواكبة فكر الدولة القائم على التنوع الاقتصادي.

وشهد في عامي 2025 و2026 تحولات استراتيجية جعلت من الدولة نموذجاً عالمياً يجمع بين «ريادة الوقود الأحفوري» و«التوسع في الطاقة المتجددة».

أولاً: حجم الإنتاج والقدرة الاستيعابية

حققت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في عام 2025 منجزات تاريخية عززت مكانتها كأكبر صانع للقيمة في الاقتصاد الوطني.

السعة الإنتاجية للنفط:

وصلت السعة الإنتاجية المستدامة إلى 4.85 مليون برميل يومياً (نهاية 2025)، مع المضي قدماً نحو هدف 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027.

إنتاج الغاز:

بلغ حجم إنتاج الغاز الطبيعي نحو 11.5 مليار قدم مكعبة يومياً، مع نجاح «أدنوك للغاز» في تلبية 60% من احتياجات الغاز المحلية وتصدير المنتجات لأكثر من 20 دولة.

الاستثمارات الرأسمالية:

أعلنت أدنوك عن خطة استثمارية ضخمة بقيمة 150 مليار دولار (550 مليار درهم) للفترة ما بين 2026 و2030 لتعزيز النمو الدولي وتطوير مشاريع الغاز والذكاء الاصطناعي.

ريادة الكربون:

سجل حقل «شاه» في يناير 2025 أقل كثافة كربونية عالمياً بواقع 0.1 كلغم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل برميل، ما يجعل النفط الإماراتي الأقل بصمة كربونية في العالم.

مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية:

وصلت القدرة الإنتاجية للمجمع بنهاية 2025 إلى 3,860 ميغاواط، لتشكل نحو 21.5% من إجمالي طاقة دبي الإنتاجية.

ملخص المؤشرات القيادية لدولة الإمارات في 2025 2026

- التنافسية العالمية: المركز الخامس عالمياً

- إدارة الموانئ العالمية: ضمن الخمسة الكبار

- سوق العقارات الفاخرة: المركز الأول عالمياً

- مساهمة الاقتصاد غير النفطي: 77.5 في المئة

- كفاءة سوق العمل: المركز الأول عالمياً

- استخدام الذكاء الاصطناعي: الأعلى عالمياً بنسبة 97 في المئة

عاصمة الحاضر والمستقبل

إن دولة الإمارات، عبر دمجها بين التشريعات الجريئة، والتوازن السياسي، والنفوذ اللوجستي العالمي، والريادة التكنولوجية، لم تعد مجرد دولة ناجحة، بل أصبحت عاصمة عالمية للمستقبل.

كما أن التراكم الهادئ للخبرات عبر العقود، هو ما جعل من درة التاج حقيقة ماثلة يراها العالم في كل مشروع يُنجز، وكل صفقة تُعقد، وكل موهبة تختار الإمارات موطناً دائماً لها.

إنه نموذج استثنائي، بُني بالصبر والرؤية، ليقف اليوم شامخاً في صدارة التنافسية العالمية.

الفكرة الكبرى خلف هذا النموذج أن الإمارات لم تبنِ نموذج نمو اقتصادي فقط، بل بنت نموذج دولة، دولة تفكر بعقلية شركة عالمية، وتحكم بعقلية طويلة الأمد، وتوازن بين الصلابة في الثوابت والمرونة في الأدوات، هو نموذج نادر لأن الصبر فيه أطول من الطموح، والقانون أسرع من السياسة، والثقة تُعد أثمن من الأرباح السريعة، ولهذا بالذات يصعب تقليده، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه يتطلب التزاماً جماعياً برؤية واحدة تمتد لنصف قرن على الأقل.

وأخيراً، عند محاولة فهم سر نجاح النموذج الإماراتي، يقع كثيرون في خطأ جوهري يتمثل في اختزال التجربة في الوفرة المالية.

هذا التبسيط يُفقد النموذج معناه الحقيقي، لأن المال في التجربة الإماراتية لم يكن يوماً المحرك الأساسي، بل كان أداة ضمن منظومة أوسع، دول عديدة امتلكت موارد مالية أكبر أو مماثلة، لكنها أخفقت لأنها استخدمت المال كبديل عن الإصلاح، بينما استخدمته الإمارات كوقود لإصلاح تدريجي، تراكمي، طويل النفس.

المال هنا لم يُضَخ عشوائياً، بل حُوّل إلى استقرار طويل الأمد، وإلى ثقة قانونية، وإلى سرعة في اتخاذ القرار، وإلى سمعة دولية تُبنى بالثقة والتجربة والتطبيق واليقين.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 8 ساعات