حين يحتج العلم الذكي. على جدوى الفلسفة..

ما الذي سيكون عليه الحال حين تُسائلُ الفلسفةُ العقلَ العلميّ وهو اليوم يَبلغ ما بلغه من عظيم الذكاء وعلياء الفطنة؟ قد يأتي الجواب أدنى إلى خطْبٍ جَلَل، لو أدركنا ما للفلسفة من حجّة على العلم بعدما تمكَّنت غزواته من إقصاءِ التأمُّل الميتافيزيقيّ، واستنزاله إلى مجرّد عِلمٍ رتيب في دنيا العلوم الفسيحة. ثمّ إنّنا قد نتلقّى ما هو مذهلٌ في الإجابة حين تتبدّى لنا حجّة العِلم على الفلسفة، إذ يعيد إلى ذاكرتها حقيقة قيامها به في نشأتها الأولى.

لا تتوقّف المسألةُ على هذا الحدّ؛ فسيَظهر لنا بصورة لا لَبس فيها، وعلى امتداد أزمنة الحداثة، كيف انبرى منظّرو العقل العلمي الحديث إلى «لَيْ عنق» الفلسفة قصد تطويعها وتحويلها إلى عِلمٍ كسائر العلوم الإنسانيّة. البيِّنَ أنّ هؤلاء - وفي طليعتهم إيمانويل كانط - أفلحوا بما انبروا إليه. من بَعد ذلك، كيف انحصرت مهمّة الفلسفة الحديثة بمُعايَنة البنية الشكليّة للعقل، أي بوصفه أداة قياسٍ وحساب، والنّظر إليه - تبعاً لهذا الوصف - على أنّه المرجع الوحيد الذي يُمكن الاستناد إليه لفهْمِ الأساس الحقيقي للمعرفة اليقينيّة بالعالَم.

اللّافت أنّ الذين أَخذهم الذهول ممّا توصّلت إليه الاختباراتُ الأخيرة للعقل العلمي، سيأخذون جرعةً إضافيّة من الوهْم الإقصائي للفلسفة بصيغتها الميتافيزيقيّة. مع تصاعُد وتائر الذكاء الصناعي سيتضاعف مستوى الوهْم وسوء التقدير، ليُظهر الديالكتيك الداخلي الذي أَطلقته الفيزياءُ الحديثة، حقائق غابت عن العقل الفلسفي بنسختَيْه الكلاسيكيّة والحديثة. وهذه الحقائق سوف تَضع الفلسفةَ أمام حَرَجٍ عظيم: هو الخشية من تقويض أحد أبرز أركانها الأنطولوجيّة، وبخاصّة، إعراضها عن فهْمِ حقيقة الكون بالعقل المحض، وقولها باستحالة التعرُّف إلى «النومين» أو إلى حقيقة الشيء في ذاته.

ولأنّ مشهديّة العقل الذكي بصنائعه المتقدّمة، هو سليلُ السيرورة المنطقيّة لِما سُمّي «الحقيقة العلميّة»، فإنّه - في ماهيّته وهويّته وظهوره، وتبعاً للامتداد اللّامتناهي لنشاط العقل الإنساني - يُعَدُّ طفرة طبيعيّة ممّا يُمكن أن يفلح به العقل حين يمضي بعيداً في استكشاف الكون وحقائق الموجودات. وهنا لستُ أخفي ممّا أستشعِرهُ بين حين وحين، من أنّ الفيزياء الحديثة ربّما جاوزتْ نباهةَ التقليد الفلسفي حين أَخرجت بعضًا يسيرًا ممّا توصَّلت إليه في التعرُّف إلى ما يُشير إلى حقيقة ذلك المكنون الذي يُسمّى الشيء ذاته. تُبيِّن الوقائع أنّ الفلسفة واصلت - منذ أرسطو - الفصلَ بين «النومين» و«الفينومين» زاعمةً أنّ الأوّل يتأبَّى على الفهْم ويستحيل العِلم به على مدركات العقل.. في حين أنّ الفيزياء الحديثة بذكائها الفائق، أَحكمت عملها وفقًا لوحدة أشياء الكون، ورَسمت دربتها على أحاديّةٍ لا انفصام لها بين الشيء المُحتجِب بذاته والشيء البادي للعيان. بل طَفقت تبتني نظامَها المعرفي على تناغُم الأشياء في ظهورها وبطونها. ثمّ لتقرِّر بعد التجربة والملاحظة أنّ كلّ شيء من أشياء الكون يسري من نفسه الباطنة إلى نفسه الظاهرة، وبالعكس، بلا انقطاعٍ وانفصال. إلى ذلك، لم يكُن للذكاء الاصطناعي أن يَظهر على نصاب الدهشة، لولا أنّ العقلَ البشريَّ الأصيل سدَّدَهُ بطائفةٍ من الفرضيّات جاوزت المألوف في عالَمِ التأمّلات الفيزيائيّة.

لعلّ ما زاد من هجران الحداثة ونكرانها للميتافيزيقا، أن انتهت النتائج الفعليّة لكلٍّ من الثورتَيْن الكوبرنيكيّة والكانطيّة إلى الغموض والضبابيّة على نحوٍ مريع. صحيح أنّ هاتيْن الثورتيْن أَسهَمتا في إيقاظ الإنسان الغربي ولفتِ انتباهه نحو واقعٍ جديد أكثر امتلاءً بروح الابتكار والمغامرة، إلّا أنّهما من وجهٍ آخر دَأبَتا على إزاحة هذا الإنسان وإقصائه على نحوٍ جذري: الأولى، أَقصته من مركز الكون، والثانية حَجبت عنه المعرفة الحقيقيّة لذلك الكون. وعلى هذا النحو وَقع إنسانُ الحداثة في معضلةٍ مركَّبة كَونيّة ومعرفيّة في الآن عيْنه.

العِلم الذكيّ بين الفيزياء والميتافيزياء

عُدَّ التساؤل عن إمكان وجود صلة بين القوانين الحاكمة على الطبيعة وعوالِم ما بعد الطبيعة أحد أبرز المعضلات التي سعى العقل الفلسفي إلى الوقوف عليها واستخراج المبادئ المنطقيّة المناسبة لها. وإذا كان هذا التساؤل لا يني يقضُّ سكينةَ المفاهيم الفلسفيّة منذ الحقبة الإغريقيّة إلى حقبات الحداثة وما بعدها، فقد جاء العِلم الذكي بحوادثه وانعطافاته الكبرى، ليُتاخمَ الجواب من مكان غير معهود. فلقد بدا بما لا يَقبل الريب، أنّ العلمَ الذكي أعاد للفلسفة الاهتمام بأصل الوجود من بَعد نسيانها إيّاه. هو الأمر الذي سيَفترض على الفلسفة استئنافَ مهمّة التعرّف إليه وإعادة استكشافه من جديد.

الفلاسفة الذين استحوذ عليهم هذا الإشكال، سيذهبون إلى تبنّي فكرة انعطافيّة قد تؤسِّس لإعادة وصْل القطيعة بين الفيزياء والميتافيزياء من دون أن يفضي هذا الوصل إلى مُخالَفة المبادئ والقواعد البديهيّة لنظام عمل العقل. الفيلسوف الألماني جوتغريد فيلهلم لايبنتز سيأتينا بعباراتٍ مكثّفة تَختصر مواقفه حيال التفسير الميكانيكي لحركة الطبيعة. فالذي ذَهب إليه هو التأسيس لفكرةٍ تقول بضرورة العودة إلى الميتافيزيقا لتفسير حقيقة الفيزياء. يقول: لو كانت قواعد الميكانيكا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 22 ساعة
صحيفة عاجل منذ 6 ساعات
صحيفة سبق منذ 6 ساعات
صحيفة سبق منذ 5 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 53 دقيقة
صحيفة عكاظ منذ ساعة