الفلسفة في يومها: فك الحصار

مادة إعلانيـــة اليوم العالَمي للفلسفةِ جاءَ هذا العام في لحظةٍ يتلاشى فيها الإنسانُ بيومياته، إذ لا مجالَ لرفع الرأس أحيانًا فوق الحدَث حتى يتم تسريب الفهْم من ذهنٍ متعالٍ إلى فعلٍ يسيل. ليسَ في الأمرِ مبالغة البتة أن نشهدَ الإنسانَ ذا اللحمِ والدم يتساوى في الحسابات الربْحية مع كائنٍ شريكٍ له هو الذكاء الاصطناعي المملوك من طَرَفِ فئة تهيمن من خلال قدرتِه على الأمور كلها؛ إذ إن الكينونة الفاعلة تقتضي بحسب هذه الوضعية المُستجدة، النظرَ إلى الفاعلية، ليس من جهة الإبداعِ البشري على مستوى كشْف العالَم، وإنما من جهةِ الإبداعِ عيْنه في تغيير العالَم.

ولما صارت الفكرةُ تُضاهي عيشَ الفكرةِ، فإن الخطر قد تسللَ إلى الحيثية الوجودية التي يجري فيها تطبيق الفكرة. فلقد صارَ مُمكنًا لدى بعض الفاعلين أن يملؤوا الكينونة الحدَثية بأفعالٍ خالية من المعطى الإيتيقي بالمُطلق. كأن التقدمَ التقاني قضاءٌ وقدر، حل في العالَم، فأحال البشرَ إلى كائناتٍ قَبْلِية، وجودها يسبِقُ ماهية الحضور المؤثر في عالَم اليوم. هل أنا موجود

ليس غريبًا أن يسأل الإنسانُ الفردُ نفسَه هذا السؤال اليوم؛ إذ إن تفقدَ حال الذات لا يهب مُستيقظًا إلا وقتَ الإحساس بأن قوةً أخرى هي الأقدر على السيطرة في هذا العالَم والتحكم بالأمور. وما تحسسُ الذات سوى الوعي التدبري بوضعية الكيان في وجودٍ مشتركٍ بينه وبين الآخر. ومن المهم الإشارةُ في هذا السياق المبدئي، إلى أنه مهما كان وقْعُ قوة الآخر قويا على النفسِ، فإن التفكيرَ يُحاولُ ما أمكنه تجاوُزَ الهالة الكبرى للمَشاهد الضخمة، إنه يقاوِمُ الآخر المتوهم عندَه حتى يحتويه في فكرةٍ تُعيد إليه القدرةَ على الذهاب الحُر إليه.

إن الإنسانَ لا يبدأ علاقاته المفتوحة بالأشياء خاضعًا لها، بل يتشبثُ بالوقوف إلى جهةٍ تقابِلُ ما يَنظر إليه على أنه محاولةٌ في الطغيان. لذا تقتضي النديةُ التفكيرَ بدهيا بالقَوامةِ على ما ليس بإنسان، والتفكير بالشراكةِ مع الآخر البشري. أما الاكتفاء والخضوع لِما هو في الاعتبار الأنطولوجي دون مستوى الإنسان في القيمة الوجودية، لتفوقِ العاقل على ما ليس بعاقل، فهذا ما لا يَقبله الإنسان. لذلك إن الإنسان في قرارة نفسهِ، أينما كان، يَرفض سيادة المال عليه وسيادة الصناعة والتجارة وكل منتجات العلوم التطبيقية، فكيف إذا كانت هذه الأشياءُ كلها مملوكةً من طَرَفٍ واحد، بل مُصادِرةٌ القدرة على استثمارها، إلا من جهةٍ واحدةٍ فاعلةٍ في الواقع؟!

من هنا يتحسسُ المَرءُ ما يفقده كلما نَظر إلى مصادر القوة الراهنة، فيُدرِك أنه يمارِسُ الخضوع والتطامُنَ الإجباري لتوجهٍ سياسي بعيْنه لإدارة العالَم، وهو ما لا يؤدي في خاطِره إلى الاطمئنان والتنعم برغد العيش. كما أن إنسانَ اليوم يموت إذا لم يقبَل بسياسة النظام العالَمي الراهنة، وقد يتعرض لحروب إبادة جماعية تفني الأماكن من ساكنيها! لم يعُد الإنسانُ اليوم قيمةَ القيَم في إنسانية قد تقبلُ موتَه كل مرة، كما يصرح بذلك قادةُ الدول والجيوش على شاشات الإعلام وكل منصات التواصل الاجتماعي وبوقاحةٍ لا يَردعها رادعٌ في المحافل والمؤسسات الأممية والدولية. ثم تأتي هذه الألسنة لتُناقشَ في مستقبَل الأزمات، أي في فكرة إمكان وجود هذا الإنسان نفسه مستقبلًا حيثُ هو.

صار حتميا أن يُدرِكَ المرءُ أن لا حيثية ينطلقُ منها لتعيين نفسِه، إلا إذا بقي صامتًا ينتظِرُ الآخرَ المُهيمن أن يُحددَ له كيفية حضورِه في المشهد الاستثماري المُمكن اقتصاديا! صار البقاءُ حظا يرتجى، على الرغم من كل التقدم العلمي الذي من الواجب أن يُستثمر لإدامة البقاء وحفْظ سيرورة الحرية فيه. هل الأنا اليوم مهمة

لما كان المشهدُ الراهن قد فَوقَ الأشياءَ على الذوات، وسيدَ بعض الذوات على جميعها، دونما كفاءَةٍ، تُدرك معنى السيادة الحرة، بل لامتلاكِها واستئثارها بكل الأشياء التي تمكنُ من الهيْمَنة على العالَم، فإن انبعاثَ الفلسفةِ صار واجبًا لا بد منه لمُقاوَمة البؤرة الراهنة للقيَم الفاشلة، والتي تؤدي إلى تسييد الذوات المارقة على المؤسسات الراهنة، وبالتالي جعْل الذوات الإنسانية في موقع العبد لدى الذوات المُدمَجة. وما أقصدُه بالذوات المُدمَجة هو هذه النفوس التي استطاعت التخلي، عبثًا، عن حدود إنسانية القيَم لتبدأَ صناعةَ هُويةٍ جديدةٍ تمكنُ صاحِبَها من استساغة التخطي القصدي للوضعية الإنسانية للأخلاق. فإذا ما تكاثرت الذوات المُدمجة، استطاعتِ الترويج لرفض القيَم الأولى، تلك النابعة من الضمير الإنساني الحي، وذلك باقتراحِ شريكٍ وجودي ذي فاعلية تغييرية متفلتة، وهو الذكاء الاصطناعي الممسوك من قِبَلِ إدارات السياسة والمال في العالَم.

إن تسخيف القيَم الأولى للكائن البشري كفيلٌ بتطويعه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ ساعة
صحيفة عاجل منذ 7 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة عكاظ منذ ساعتين
صحيفة سبق منذ 6 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ ساعة
صحيفة عكاظ منذ ساعتين
صحيفة الشرق الأوسط منذ 16 ساعة