مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة

قالَ شيخُنا (حفظَ اللهُ لسانَهُ من الزلل) , وهو جالسٌ في مجلسِهِ بين تلامذتِه , وقد سُئِل عن سُلطانِ الكلمةِ على القبائلِ , مُستفتحاً بذكرِ العربِ الأوائلِ :

يا لَحكمةِ الكلمةِ عندَ العربِ ,

ويا لعجيبِ فعلِها في الأنوفِ والجوارح ,

لقد كانت الكلمةُ سَيفَاً قاطِعاً ,

ترفعُ أقواماً إلى ذُرى المجدِ ,

وتَخسفُ بآخرين إلى مَهالكِ الذُلِّ ,

فبيتٌ واحدٌ من شِعرٍ قد غيّرَ وجهَ التاريخِ لقبيلةٍ بأسرِها ,

وحوّلَ السُخريةَ المُرَّةَ إلى فخارٍ يُتغنَّى به ,

وبيتٌ آخرُ زَلزلَ أركانَ قبيلةٍ شامخةٍ ,

حتى سَرَتْ أبناؤها يبدِّلونَ الأنسابَ فراراً من دَنَسِ العارِ,

فأسمعوا يا بنيَّ خبرَ بني أنفِ الناقةِ ,

تلك القبيلة التي غَلَبَ عليها اسمٌ استنقصوه ,

ولقبٌ استثقلوه ,

فكان أحدهم إذا سُئِلَ عن أصلِه انتفضَ ,

وقال : من بني قُرَيع ,

ويتجاهلُ ذكرَ جدّهِ الذي جلبَ لهم الاسمَ ,

وهو جعفرُ أنفُ الناقةِ بنُ قُريعِ بنِ عَوفِ بنِ مالكٍ.

وكانت حكايتُهم أنَّ أبا جعفرٍ هذا نحرَ ناقةً عظيمةً , ووزّعَ لحمَها على أولادِه , غيرَ أنَّ صبياً منهم تأخّرَ في المجيءِ , فلم يجدْ من الجزورِ إلا رأسَها , فأعطاهُ إياهُ الأبُ , فأخذَ الغلامُ الرأسَ , ووضعَ أصابعَه في أنفِها , وجعلَ يجرُّهُ إلى بيتِ أمّه. فرآهُ الناسُ , وسخروا منهُ قائلينَ :

هذا أنفُ الناقةِ ,

فصارَ الاسمُ عليهِ , ثم ورثَهُ أولادُه من بعدِه , فدُعُوا: بني أنفِ الناقةِ ,

ومعَ مرورِ السنينَ , صارَ هذا اللقبُ مَثارَ سُخريةٍ وتهكُّمٍ , حتى كادت بناتُ القومِ يُحرمنَ من الزواجِ , لأنَّ الناسَ تنكّبوا أنْ يَنتسبوا إلى مَن يحملونَ اسماً كهذا , ولكنَّ القدرَ خَبَّأَ لهم سِرَّاً عظيماً , إذ نزلَ بهم الشاعرُ المفَوَّهُ الحُطَيئَةُ , واسمُهُ جرولُ بنُ أوسٍ ضيفاً , وكانَ الحُطيئةُ قد نزلَ عندَ رجلٍ من بني أنفِ الناقةِ اسمُهُ بَغيضُ بنُ عامرِ بنِ لؤيٍ , فأكرمَهُ بغيضٌ , وأحسنَ ضيافتَهُ أيما إحسانٍ , فما كانَ من الحُطيئةِ إلا أنْ جادَ قريحتُهُ , فأنشدَ أبياتَهُ الخالدةَ التي كفّتْ عنهم ألسنةَ الساخرينَ , ومحتْ عنهم العارَ, ورفعتْ شأنَهم , مُبيِّناً أنَّ الأنفَ هو مُقدّمُ كلِّ شيءٍ :

سيري أمامَ فإنَّ الأكثرينَ حَصَى

والأكرمينَ إذا ما يُنسَبونَ أبَا ,

**

قومٌ هُمُ الأنفُ , والأذنابُ غيرُهُمُ

ومَنْ يُساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبَا؟ ,

فانقلبتْ الموازينُ , وصاروا بعدَ هذا البيتِ يتباهونَ بلقبِهم , ويَجهرونَ بهِ بينَ القبائلِ , بعدما كانَ سبباً في الخزيِ , أصبحَ عنواناً للعِزِّ والفخارِ. ثمّ التفتَ الشيخُ وقال:

وللكلمةِ وجهٌ آخرُ , وجهُ الهدمِ والفناءِ, ألا تسمعونَ بالقصّةِ المشهورةِ التي هَدَمَتْ قبيلةً بأكملِها , وألصقتْ بها العارَ بينَ العربِ , وهي قصّةُ جريرٍ مع الراعي النُّميريِّ في العصرِ الأمويِّ ؟ كانت قبيلةُ نُميرٍ قبيلةً عزيزةَ الجانبِ , حتى جاءَ بيتٌ واحدٌ فأطفأَ ذِكرَها , وألزمَ أبناءَها تغييرَ نسبِهم اتقاءً للعارِ , وكانَ الراعي النميريُّ شاعراً من شعراءِ عصرِهِ , ولهُ مجلسٌ معَ الفرزدقِ في البصرةِ , وكانَ من كُرماءِ قومِه , لكنّهُ تورّطَ في المعركةِ الشعريةِ بينَ جريرٍ والفرزدقِ , وفضَّلَ الفرزدقَ على جريرٍ , ووصلَ به الأمرُ أنْ هجا جريرَ , فغضبَ جريرٌ , وقرّرَ أنْ يُلاقيَهُ , فلما التقى به في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


قناة السومرية منذ ساعة
قناة السومرية منذ 12 ساعة
قناة الفلوجة منذ 10 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 6 ساعات
كوردستان 24 منذ ساعة
وكالة يقين للأنباء منذ 8 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 10 ساعات