الجغرافيا ليست مساحة صامتة، بل ذاكرة صراعات تحدد خطوط النفوذ والسيطرة . كل أرضٍ خضعت للسطوة تحمل أثر التدخل، وكل بحرٍ صار حدًا بين المسموح والمحرَّم . مبدأ مونرو ليس مجرد نص من الماضي، بل منطق سياسي حي يعاود الظهور كلما اهتزت التراتبية العالمية . استدعاؤه اليوم لا يُراد منه الحكمة، بل تبرير الإحكام والسيادة، وكأن الماضي يمنح امتيازًا والقانون الدولي مجرد واجهة لتكريس النفوذ . بعض الحكومات تُعفى من المساءلة، وبعضها يُجبر على البقاء بعيدًا أو الخضوع . وفي عالم لم يعد يعترف بالمناطق المحظورة، يصبح السؤال واحدًا :
من يُسمح له بالاقتراب، ومن يُمنع؟
السياسة ليست سردًا للأحداث، بل إعادة إنتاج القوة، والهيمنة، والظلم تحت ستار الشرعية .
جوهر مبدأ مونرو : من الدفاع إلى الاحتكار
أولًا : ما هو مبدأ مونرو؟
أُعلن مبدأ مونرو عام 1823 على لسان الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، ونصّ جوهره على أن القارة الأمريكية لم تعد مجالًا مفتوحًا للتوسع أو التدخل الأوروبي، مقابل تعهّدها بعدم التدخل في شؤون أوروبا . ظاهريًا، بدا المبدأ دفاعيًا، لكن باطنيًا كان إعلانًا مبكرًا عن احتكار النفوذ في العالم الجديد . ولم يكن نجاحه في بداياته نابعًا من القوة الأمريكية وحدها، بل من الدعم الضمني البريطاني، إذ رأت لندن في منع عودة الاستعمار الإسباني والفرنسي حمايةً لمصالحها التجارية . ومع الزمن، تحوّل من شعار حماية الاستقلال إلى أداة هيمنة، ثم إلى ما يمكن تسميته اليوم : النسخة المُحدَّثة من مونرو، حيث لا يُسمح بوجود خصم استراتيجي في المجال الغربي، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا ولا طاقيًا .
ثانيًا : من الدفاع إلى الخنق الاستراتيجي
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيطرة تعني الاحتلال المباشر، بل التحكم بالمصادر، والممرات، والعُقَد . وفنزويلا هي مورد الطاقة الحيوي للصين، حيث تصدّر اليها 80 % من نفطها خارج المنظومة الغربية . وبذلك شكّلت خرقًا صريحًا لمنطق مونرو الجديد . وما جرى ويجري فيها لا يُفهم فقط بوصفه صراعًا داخليًا أو تغيير نظام، بل كجزء من إعادة ضبط لسلسلة الإمداد الطاقي الصينية، وإعادة فرض السيطرة الأمريكية على المجال الغربي، ومنع أي قوة صاعدة من بناء رئة اقتصادية مستقلة فيه . أما الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان يتولى حمايته طاقما كوبيا فقد خطف مع زوجته من احد الحصون السبعة التي جهزها للاختباء وكانت فيها غرف فولاذية يصعب اختراقها فمن الذي ابلغ عن موقعه في تلك اللحظة ؟. علما ان قوة دلتا تدربت على مبنى مشابه له في احدى قواعدها منذ شهرين قبل التنفيذ .
من الذي قاده الى نفس المكان الذي خططوا لالقاء القبض عليه منه ؟
ثم نقل الى ( سجن بروكلين السيء السمعة - (MDC Brooklyn الذي وصفته بعض الصحف بالجحيم على الأرض . ومن الاسماء البارزة التي احتُجزت فيه . غيسلين ماكسويل، سام بانكمان - فرايد، وشون ديدي كومبس .
ثالثًا : شرايين العالم . حين يصبح المرور سلاحًا
إذا كانت فنزويلا المورد ، فإن قناة بنما وقناة السويس هما الشرايين . الصين، بوصفها قوة تجارية صناعية، تعتمد على تدفقات بحرية طويلة، وأي ضغط على هذه العُقَد لا يحتاج إلى حرب، بل إلى إدارة توتر ذكية ترفع الكلفة وتُبطئ الإيقاع . هنا يظهر شكل جديد من الحصار : حصار بلا إعلان، وخنق بلا مدافع .
رابعًا : أوكرانيا ليست فنزويلا . بل كسر الجناح
في المقابل، تمثّل أوكرانيا ساحة مختلفة تمامًا . الهدف هناك ليس الصين مباشرة، بل روسيا بوصفها الجناح العسكري والجغرافي الذي يمنح بكين عمقًا استراتيجيًا . استنزافها وإبقاؤها في مواجهة مفتوحة، يمنع تشكّل محور صيني - روسي متماسك قادر على تحدي النظام الدولي القائم .
فنزويلا = خنق المورد
أوكرانيا = استنزاف الحليف
والغاية واحدة: تفكيك القوة لا مواجهتها دفعة واحدة .
خامسًا : إيران . البديل الممكن والاشتعال الدائم
تظهر إيران هنا بوصفها فنزويلا الشرق المحتملة للصين : موارد طاقة ضخمة، موقع جغرافي حاسم، واتفاقيات طويلة الأمد. لكنها ليست بديلًا آمنًا؛ فهي محاصرة، وأسواقها مقيّدة، وأي تصعيد حولها يهدد الخليج بأكمله. لهذا، يمكن لها أن تمنح الصين وقتًا، لا طمأنينة؛ أن تكون حلًا مؤقتًا، لا قاعدة مستقرة .
سادسًا : تايوان . العقدة التي لا تُقايَض
أما تايوان، فليست موردًا ولا ممرًا، بل عقدة وجودية :
شريان التكنولوجيا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
