هل يتعطّل القطار ... لكنّه تباطأ

جهاد حمدان

كان أيمن وثراء يقفان على تخوم الأربعين، في تلك المنطقة العمرية التي لا تُشبه الشباب تمامًا ولا تعترف بالكهولة بعد، حيث لم يعد الوقت فكرة عائمة، بل إيقاعًا يوميًا محسوسًا. أيمن حصل على الدكتوراة في الكيمياء من جامعة مانشستر في بريطانيا، وثراء نالت الدكتوراة في الأحياء من جامعة لايبزيغ في ألمانيا. مساران متوازيان، وزميلان يعملان في جامعتين مختلفتين، التقيا صدفةً في استراحة قهوة لأحد المؤتمرات، كأنّ القدر استدرك تأخيرًا طال أكثر مما ينبغي.

لم يكن اللقاء دراميًا. لا موسيقى داخلية ولا مشهدًا سينمائيًا. مجرّد نظرة طالت ثانيةً أكثر مما ينبغي، فنجان قهوة برد قبل أن يُشرب، وسؤال عابر عن الجلسة السابقة. ومع ذلك، شعر كلٌّ منهما بجاذبية لم يجد لها تفسيرًا مريحًا: أهي لفتة سماوية نحو شابين صالحين لا يقطعان صلاة؟ أم حلاوة اللسان وطلاوته؟ أم ذلك الشعور المشترك بأنّ خيارات الارتباط تضيق مع تقدّم العمر، وأنّ هذا اللقاء قد يكون آخر النوافذ التي فُتحت، وستُغلق إنْ لم يلجها أيٌّ منهما؟

ثراء كانت، منذ البداية، مسكونة بعملها. المختبر لم يكن مكانًا فحسب، بل نظام حياة. وكانت، حين تُسأل من صديقاتها المناكفات: متى سنفرح بك؟ تجيب بلا تردّد، كأنها تستعيد نصًا محفوظًا.

- جاء يوم الفرح قبل خمس سنوات، لكنني لم أدعُ أحدًا إليه. يومها تزوجت المختبر.أنا لاأقول هذا مجازًا كاملًا، ولا ندمًا مؤجلًا؛ إنّه توصيفٌ دقيقٌ لما كنت أعيشه. أنا أضع اللقاح، والأجهزة تحمل، وحين يكتمل الحمل يولد بحثٌ جميل، تتعهده إحدى المجلات العلمية ويعيش فيها بقية حياته.

أنا لست حُشرية أبدًا؛ أحيانًا أتشارك مع زميلة أو أكثر في إنتاج اللقاح، فيكون الوليد مشتركًا. نتفق بيننا على ترتيب المساهمين: مرة اسمي يتقدّم، ومرة يتأخر. وفي أحمال لاحقة نتبادل الترتيب. ويحدث أحيانًا أن يشترك معنا زميل أو أكثر، فننجب مواليد بأبوة متنوعة جندريًا، دون التباس أو حرج. كان الأمر، في النهاية، عملًا ننجزه كما ينبغي.

كانت تقول ذلك وتبتسم، لا دفاعًا ولا استفزازًا، بل بوصفه حقيقة عاشت تفاصيلها سنوات عديدة دون أن تشعر بالنقص.

أما أيمن، فقد جاء من مدرسة حكومية في إحدى مدن الأطراف، كما جاءت هي. أظهر في الثانوية نبوغًا لافتًا، لا في العلوم وحدها، بل في اللغة أيضا. كان أستاذه، معلم اللغة العربية أحمد التلحمي، يقرأ نصوصه بعين لا تعرف المجاملة. يحذف، يعيد الصياغة، ثم يترك جملة واحدة قائلًا: جميل، هذا النص يستحق المتابعة. ظلّ ذلك الصوت معه حتى حين غادر البلاد، وغاص في المعادلات. الأدب لم يكن هواية، بل غرفة سرية يعود إليها كلما اختلّ الإيقاع.

وحين تعرّف على ثراء، كان اسمه يتلألأ في أكثر من فضاء: بين أترابه الأكاديميين، وداخل روابط وبيوتات أدبية تعرف كيف تصنع الهالة حول الأسماء. بدا متوازنًا، واثقًا، حاضرًا في مكانه. وبدت الأشهر الستة الأولى من العلاقة زمنا صافيا، بلا تشققات.

قرّرا عقد قرانهما بهدوء في المحكمة: مقدّم دينار، ومثله مؤخر. ضحكا من بساطة الرقم، واتفقا أنّ ما جمعه القدر لا يفرّقه إلا رحيل أحدهما عن هذه الدنيا. واتفقا أيضًا، بثقة من يظنّ العقل كافيًا، أن يُديرا خلافاتهما بالحوار، وأن يُغلّبا المنطق. لكن الحياة، حين تتدخل التفاصيل اليومية لا تظلّ قادرة على الحفاظ على نقائها.

بعد الزواج، بدأت أشياء صغيرة تتضخّم. لم تكن غيرة صريحة، ولا اتهامًا مباشرًا، بل أسئلة جانبية تطل برأسها ثم تتوارى. ففي كل مرة تذكر ثراء مؤتمرًا علميا قادمًا، أو اسم زميل جديد في جامعتها، يلتقط أيمن الاسم كما تُلتقط شوكة دقيقة من الجلد: لا تؤلم فورًا، لكنّ رأسها يبقى هناك.

تذكرُ الاسم بلا قصد:

-  حمد قال كذا في الجلسة

-  حمد اقترح تغيير المنهجية  

مرة ضغط أيمن الكوب بين يديه حتى كاد يتفتت.

قال وهو ينظر إلى الطاولة:

- غريب  الاسم لا يغادررأسك.

رفعت.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور الأردنية

منذ 24 دقيقة
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 12 ساعة
قناة المملكة منذ 16 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 6 ساعات
خبرني منذ 3 ساعات
خبرني منذ 12 ساعة