الشرق الأوسط يعيد رسم خريطة تعدين بيتكوين عالمياً

شهد قطاع تعدين بيتكوين في عام 2025 تحولاً جذرياً في بنيته الاقتصادية، مدفوعاً بعاملين رئيسيين: اقتراب الشبكة من اكتمال إصدارها، وارتفاع غير مسبوق في صعوبة التعدين. فمع تعدين ما يقارب 95% من إجمالي معروض البيتكوين، تراجعت أهمية التوسع الكمي لصالح الكفاءة التشغيلية، وانخفضت قدرة اللاعبين الصغار على المنافسة في بيئة تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة.

وتشير تقارير صناعة التعدين العالمية إلى أن معدل التجزئة لشبكة بيتكوين تجاوز حاجز 1 زيتاهاش في الثانية خلال 2025، في حين بلغت صعوبة التعدين نحو 148 تريليون، وهو مستوى يعكس شدة المنافسة وارتفاع تكاليف التشغيل، لا سيما في الأسواق التي تعتمد على طاقة مرتفعة الكلفة أو تعاني من غموض تنظيمي.

في هذا السياق، باتت الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد مراكز التعدين المستقبلية، إذ يتجه رأس المال المؤسسي نحو المناطق القادرة على الجمع بين الطاقة منخفضة الكلفة، والاستقرار التشريعي، والبنية التحتية القابلة للتوسع.

بيتكوين في 2026.. سؤال لا مفرّ منه: «ذروة جديدة أم تصحيح حاد؟»

لماذا يبرز الشرق الأوسط في هذه المرحلة؟

ضمن هذا التحول العالمي، برز الشرق الأوسط كأحد الأقاليم القليلة التي تمتلك المقومات الثلاثة اللازمة لصناعة التعدين الحديثة: وفرة الطاقة، وضوح التنظيم، ورأس المال طويل الأجل. فالمنطقة تضم بعضاً من أقل تكاليف الكهرباء عالمياً، إلى جانب استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية والنووية وشبكات الكهرباء الذكية.

وتشير بيانات بيئية حديثة إلى أن نحو 52% من الطاقة المستخدمة في تعدين بيتكوين عالمياً في 2025 تأتي من مصادر مستدامة، وهو اتجاه يتقاطع بوضوح مع سياسات الطاقة في دول الخليج، التي تستهدف زيادة حصة الطاقة المتجددة ضمن مزيجها الوطني. هذا التوافق جعل التعدين يُنظر إليه كامتداد لاستراتيجيات الطاقة، لا كنشاط معزول أو عبء على الشبكات الكهربائية.

إضافة إلى ذلك، يمنح الموقع الجغرافي للشرق الأوسط، كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ميزة تشغيلية ولوجستية مهمة، خصوصاً مع تصاعد الطلب المؤسسي العالمي على مراكز تعدين مستقرة وقريبة من الأسواق المالية الكبرى.

الإمارات كنقطة ارتكاز إقليمية

في قلب هذا المشهد، تبرز دولة الإمارات كنموذج تطبيقي لكيفية دمج تعدين بيتكوين ضمن رؤية اقتصادية وتنظيمية شاملة. فبحسب تقارير متخصصة في تتبع الأصول الرقمية، تمتلك جهات إماراتية مدعومة من الدولة أكثر من 6,450 بيتكوين جرى تعدينها محلياً حتى عام 2025، بقيمة تقديرية تقارب 700 مليون دولار.

ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على قيمتها السوقية، بل تعكس تحول الدولة من مرحلة استضافة الشركات إلى المشاركة المباشرة في البنية التحتية للشبكة. كما تظهر بيانات اعتماد العملات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن الإمارات تتصدر التبني المؤسسي، متقدمة على أسواق إقليمية أخرى بفضل أطر تنظيمية واضحة للأصول الافتراضية وتراخيص مخصصة لشركات التعدين والتداول.

هذا التوجه تعززه استضافة الدولة لفعاليات دولية كبرى، مثل مؤتمر «بيتكوين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2025» (Bitcoin MENA 2025) في أبوظبي، الذي استقطب أكثر من 12 ألف مشارك ونحو 190 متحدثاً من كبار المستثمرين وصنّاع السياسات، ما يؤكد دور الإمارات كمركز حوار عالمي حول مستقبل التعدين والأصول الرقمية.

صفوف متراصة من أجهزة الكمبيوتر داخل إحدى مزارع تعدين العملات المشفرة في هيرناندارياس، الباراغواي، يوم 2 أغسطس 2024

زخم مؤسسي مدعوم برأس المال السيادي

على عكس دورات التعدين السابقة التي قادها أفراد وشركات ناشئة، يتسم المشهد الحالي بحضور قوي لرأس المال المؤسسي والسيادي. فالتقارير العالمية تشير إلى دخول صناديق سيادية وشركات طاقة كبرى في عمليات التعدين، سواء بشكل مباشر أو عبر شراكات استراتيجية مع شركات متخصصة.

وفي الشرق الأوسط، يتجلى هذا الزخم من خلال توسع شركات إقليمية كبرى في قدراتها التشغيلية، حيث وصلت بعض المجموعات إلى قدرات تجزئة تتجاوز 11 إكزاهش في الثانية، لتصبح من بين الأكبر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويمثل هذا التوسع انتقال التعدين من نشاط مضاربي قصير الأجل إلى استثمار بنيوي طويل الأمد.

كما لعبت تدفقات الاستثمارات عبر «صناديق الاستثمار المتداولة» (ETF) دوراً غير مباشر في دعم هذا التوجه، من خلال تعزيز الطلب المؤسسي على بيتكوين، وبالتالي رفع أهمية تأمين مصادر تعدين مستقرة وفعّالة.

تغيّر سلوك المستثمرين

رغم استمرار الأهمية الرمزية لدورات تصنيف بيتكوين في تعزيز مفهوم الندرة، تشير تحليلات السوق إلى تراجع تأثيرها المباشر على قرارات المستثمرين المؤسسيين مقارنة بالسنوات الماضية. ففي 2025، بات التركيز منصباً على العوامل الكلية، مثل السيولة العالمية، والسياسات النقدية، وتدفّقات «صناديق الاستثمار المتداولة»، واستقرار الأطر التنظيمية.

وفي الشرق الأوسط، يُنظر إلى بيتكوين بشكل متزايد كأداة تنويع طويلة الأجل ضمن المحافظ الاستثمارية، وليس كأصل مرتبط بدورات سعرية قصيرة. في المقابل، لا يزال المستثمرون الأفراد يتفاعلون مع أحداث التنصيف، لكن حماستهم أصبحت أكثر ارتباطاً بزخم الأسعار والتغطية الإعلامية لتحقيق قمم جديدة، ما يظهر نضجاً تدريجياً في بنية السوق.

السعودية تصدر 45 رخصة تعدين جديدة خلال شهر لتعزيز القطاع

التعدين كأداة لإدارة الطاقة

أحد أكثر التحولات عمقاً يتمثل في إعادة تعريف دور التعدين داخل منظومات الطاقة. ففي دول الخليج، حيث تتوافر كهرباء منخفضة الكلفة وقدرات إنتاجية فائضة، يُستخدم التعدين كوسيلة لتحويل الطاقة غير المستغلة إلى قيمة رقمية مقوّمة بالدولار.

ومع الانتقال من التوسع الكمي إلى الكفاءة التشغيلية، أصبح التعدين أداة لتحسين استخدام البنية التحتية الكهربائية، ودعم استقرار الشبكات، بدلاً من تحميلها أعباء إضافية. هذا النموذج يضع الشرق الأوسط في موقع متقدم عالمياً، خصوصاً مقارنة بدول تواجه ضغوطاً على شبكاتها الكهربائية أو قيوداً تنظيمية متزايدة.

ومع تغيّر قواعد اللعبة في تعدين بيتكوين عالمياً، لم يعد النجاح مرهوناً بحجم العمليات فقط، بل بالقدرة على الدمج بين الطاقة منخفضة الكلفة، والتنظيم الواضح، ورأس المال طويل الأجل. وفي هذا السياق، يبدو الشرق الأوسط، وبشكل خاص الإمارات، مؤهلاً للعب دور محوري في المرحلة المقبلة من صناعة التعدين العالمية، ليس كمركز تشغيل فحسب، بل كنموذج يؤكد نضج الصناعة وانتقالها إلى مرحلة مؤسساتية أكثر استدامة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة