اتجاهات الحراك الشعبي في إيران وثلاثة سيناريوهات متوقعة

في لحظة تاريخية فارقة في عمر النظام السياسي في إيران يواجه خلالها تحديات مصيرية وضغوطات خارجية لتقديم تنازلات في الملفات الخلافية، انطلقت جولة جديدة من الاحتجاجات الشعبيـة في إيران قـبل نهاية ديسمـبر 2025م -لازالت مستمرة حتى تاريخ نشر التقرير- على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الحادة، وذلك بفعل إخفاق النظام في طرح المقاربات الحقيقية لرفع العقوبات، لا سيما في ظل استمرارية معاناة الشعب ودفعه فاتورة تداعيات سياسات النظام وتوجهاته الثورية، التي لم يجني منها النظام سوى الارتدادات الخارجية والأزمات الداخلية.

تكشف الاحتجاجات الحالية طبيعةً مختلفةً مقارنةً بالجولات السابقة، حيث كان محركها الأساسي تجار السوق (البازار) ثم تفاعلت معها بقية أطياف المجتمع، وتبرز مجموعة من التساؤلات يحاول هذا التقرير الإجابة عليها، أهمها: ما أبرز الفروقات التي تميز الاحتجاجات الراهنة التي أكسبتها خصوصية كبيرة من حيث الانتشار الجغرافي والمطالب والدوافع والشعارات والأهداف واستراتيجية النظام لإدارتها؟ بعبارة أخرى ما الذي يميزها ويزيد من خطورتها عن الجولات السابقة؟ وما تقييمها وحدود تأثيرها على الداخل وسياسات النظام؟ وما اتجاهاتها؟ وما الذي يؤدي إلى صعودها أو تراجعها؟ وما أبرز الخصائص والتحولات في التعاطي الإقليمي والدولي معها؟ وهل من مصلحة الدول في الشرق الأوسط انفجارٌ احتجاجيٌ أوسع يعزز من فرص التغيير الجذري للنظام في إيران؟ أم أنَّ المصالح تقتضي إحداث تحولات ضاغطة لتعديل سلوك النظام؛ بما يؤدي لمزيد من انكفائه واستمراريته كموازن إقليمي؟

أولاً. طبيعة وملامح الحراك الاحتجاجي

تميزت الاحتجاجات الشعبية الراهنة بانطلاقها من المركز (العاصمة طهران) بتاريخ 28 ديسمبر 2025م، وانتشارها سريعًا إلى المدن الكبرى والحدودية، مع مشاركة شرائح اجتماعية متعددة. هذه الاحتجاجات لم تقتصر على المطالب الاقتصادية اليومية، بل توسعت لتشمل تساؤلات حول أسلوب الحكم والمستقبل السياسي والاقتصادي للدولة، ما يجعل فهم طبيعتها يعتمد على ثلاثة أبعاد مترابطة، تتمثل في:

1. خارطة الانتشار: تمدَّدت من طهران، حيث شهدت الأسواق الكبرى مثل البازار وأسواق الهواتف المحمولة إغلاقًا واسعًا لمراكزها التجارية، في مؤشر واضح على تنامي حالات الاحتقان الشعبي. واتسعت لتطال مدن رئيسية أخرى غير العاصمة، شملت أصفهان، شيراز، مشهد، تبريز، رشت، كرمانشاه، همدان (انظر الجدول رقم 1). مع انتشار-وإن كان غير كثيف-في المناطق العرقية والطائفية، من كردستان في الغرب إلى سيستان وبلوشستان في الجنوب الشرقي، ما يؤكد أن الحراك لم يبقَ محصورًا في طهران أو في عدد محدود من المدن الكبرى، بل شمل مدنًا ومحافظات ذات أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية، قدرت في بعض المنصات بمشاركة ما لا يقل عن 60 مدينة في 25 محافظة، بما يعكس تمدد دائرة السخط والاحتقان الشعبي.

يحمل هذا النمط من الانتشار السريع دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها أن الاحتجاجات بدأت من قلب السلطة السياسية والاقتصادية ثم انتقلت إلى مدن كبرى تمثل مراكز اقتصادية ودينية وسكانية مؤثرة، وهو ما يضع النظام أمام تحدٍ مباشر في ضبط العاصمة والمراكز الحيوية في آن واحد. اختراق مدن كطهران وأصفهان ومشهد يشير إلى تراجع نسبي في قدرة النظام على تحصين دوائره الرمزية والتقليدية، ويحد من فاعلية الخطاب الرسمي القائم على تصوير الاحتجاجات كحراك هامشي أو محصور في مناطق بعينها.

كذلك يعقد انتقال الاحتجاجات من المركز إلى الأطراف، وخصوصًا إلى المحافظات الحدودية ذات الحساسية الأمنية والاجتماعية، من خيارات التدخل الأمني، إذ يفرض على النظام توزيع جهوده بين ضبط المدن الكبرى ومنع تفاقم التوتر في المناطق الطرفية التي تعاني تاريخيًا من تهميش اقتصادي أو توترات إثنية. ومن منظور استراتيجي، فإن هذا الانتشار الواسع يعكس تحوّل الاحتجاجات من موجة مطلبية محدودة إلى حركة شعبية تتمدد، قادرة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها، ويشكّل ضغطًا مركّبًا على شرعية النظام وقدرته على فرض السيطرة والاستقرار.

2. القيادة والقيادات الداعمة: بدأت الاحتجاجات بمطالب اقتصادية قادها مجموعة من التجار وأصحاب المحلات في العاصمة طهران، وانضم إليهم التجار في مدن إيرانية أخرى. وسرعان ما تحولت المطالب لتشمل أهداف سياسية واجتماعية. ورغم افتقارها لعنصر القيادة، لكن هناك تأييد وانخراط من بعض النشطاء الذين شاركوا بفاعلية في احتجاجات مهسا أميني 2022م. أما أبرز رموز المعارضة الذين أيدوا الاحتجاجات، فهم رضا بهلوي الذي دعا قوات الأمن إلى عدم الوقوف في وجه المحتجين. كما أصدر 17 ناشطا من منظمات المجتمع المدني والسياسيين بيانًا مشتركًا يدعم الاحتجاجات، أكدوا فيه على ضرورة الانتقال السلمي من الجمهورية الإسلامية حقيقة لا يمكن قمعها .

وأشار الموقعون على البيان ومن بينهم أبوالفضل غدياني، وجعفر بناهي، ومصطفى تاج زاده، ونرجس محمدي، ومصطفى مالكيان، إلى الاحتجاجات باعتبارها حركة مقاومة مدنية عظيمة من الشعب الإيراني ، وانعكاسًا للإرادة الوطنية لإسقاط النظام الحاكم، مؤكدين على مطالب مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحق تقرير المصير.

كذلك تشير المعطيات المتوفرة إلى محدودية المشاركة المباشرة للمعارضة الإيرانية في الخارج، غير أن بعض الشخصيات المعارضة، بما في ذلك بهلوي، لعبت دورًا في الحشد الرمزي والمعنوي عبر خطابات تشجيعية متعددة، وإعادة نشر المقاطع المصورة للشعارات والاحتجاجات داخل إيران، بالإضافة إلى النشاط المكثف على منصات التواصل الاجتماعي.

3. الشرائح الاجتماعية المشاركة: تميزت الاحتجاجات بمشاركة واسعة لشرائح اجتماعية متعددة، شملت التجار وأصحاب المحال في العاصمة طهران، والعمال والموظفين في المدن الكبرى، إضافة إلى الطلاب والمعلمين فضلاً عن سكان المناطق الحدودية والريفية، وبما يمثل قاعدة اجتماعية تزيد من تعقيدات احتواء تحركها، إذ يجمع بين مطالب اقتصادية عاجلة، وأسئلة سياسية واجتماعية ملحة تشمل قضايا الفساد، الحوكمة، التعليم، والصحة، إلى جانب مطالب مرتبطة بالهوية الثقافية أو الإثنية في بعض المحافظات الحدودية. تجعل المشاركة المتعددة للشرائح الاجتماعية في إيران من هذا الحراك ظاهرة شاملة تتجاوز الفئات التقليدية المحتجة، وتمثل ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا متزايدًا على النظام، لا سيما مع امتداده إلى المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية والدينية. كما تعكس هذه التركيبة الاجتماعية قدرة الحركة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها، وتحدّ من فاعلية محاولات العزل أو الاحتواء الأمني السريع، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى مرحلة تهديد وجودي مباشر للنظام الإيراني.

ثانيًا. دوافع ومطالب وقضايا الاحتجاجات

دفع تردي الأوضاع المعيشية نتيجة استمرار انهيار العملة بسبب العقوبات إلى خروج الإيرانيين للاحتجاج والمطالبة بإيجاد حلول عاجلة لمشاكلهم، وقد كان البازار هو مركز انطلاق الاحتجاجات؛ حيث أغلق التجار في وسط طهران محالهم اعتراضا على عدم قدرتهم من العمل في ظل تراجع قيمة التومان أمام الدولار لانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي في مقابل محدودية عوائد البدائل التي اعتمدتها الحكومة عبر سياسات التوجه شرقا، والتي أفرزت بدورها مشكلات جديدة نجمت عن اعتماد أطر غير قانونية لتصدير النفط؛ أوجدت ثغرات في إدارة الموارد المالية للدولة، وأنتجت منظومة معقدة من الفساد.

بدأت الاحتجاجات في التوسع منتقلةً من إضراب التجار إلى الخروج في مظاهرات محدودة ولكن في مناطق مختلفة من البلاد تحمل معها مطالب التغيير السياسي. يأتي هذا التطور في سياق داخلي وخارجي ضاغط على النظام كانت تداعيات حرب الإثني عشر يوماً في يونيو 2025م منعرجهُ الحاسم، إذ تعرَّض النظام لهجوم إسرائيلي-أمريكي طال مراكز ثقل النظام، أٌتبع لاحقا بتشديد العقوبات مع تهديدات أمريكية وإسرائيلية متواصلة بشن حرب جديدة في حالة عدم امتثال طهران لمطالبهما المرتبطة بالملف النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية. في ظل هذه الأوضاع شهدت أسعار العملات الأجنبية قفزة كبيرة بداية من منتصف ديسمبر بعدما تجاوز سعر الدولار 143 ألف تومان للدولار الواحد بزيادة كبيرة بلغت 20% مقارنةً بالشهر السابق، مع زيادة الاقبال على شرائه وشراء الذهب كوسيلة للتحوط من التضخم والمخاطر المستقبلية.

وتعاني كافة شرائح المجتمع من الارتفاع المستمر في معدلات الأسعار، وبخاصة أسعار المنتجات الغذائية البسيطة مثل الخبز الذي تجاوز ارتفاع أسعاره السنوي 70% ناهيك عن باقي أصناف الغذاء والمنتجات الضرورية من تعليم ودواء واسكان. وبشكل عام انحدر الوضع الاقتصادي الإيراني منذ الضربات الاسرائيلية الأخيرة، ثم تعمقت الأزمات المالية والاقتصادية عقب إعادة فرض العقوبات الأممية والأوروبية في الربع الأخير من العام، مما اضطر الحكومة إلى اتباع سياسات تقشفية وإلغاء دعم العملات الأجنبية وتقليص الانفاق، وانعكس هذا بالطبع في شكل ارتفاع في أسعار العملات الأجنبية ومعدلات الأسعار وزيادة ضغوط المعيشة على عامة الايرانيين.

يجمع المحتجون بمختلف توجهاتهم على المطالبة بإيجاد حلول للمشكلات التي يعانون منها، ولكن يبرز الاختلاف حول المطالب السياسية، إذ هناك من يرى أن يبقيها تحت سقف النظام، والبحث عن حلول ضمن مؤسسات الدولة مع التمسك بتوجهات النظام الحالية، في حين هناك من يعتقد أن الحلول الجذرية تكمن في التغيير الجذري لتوجهات النظام وتحديدا علاقته بالغرب لأنه لا مخرج من هذا الوضع في ظل العقوبات، وهناك من المحتجين من يرفع شعارات تغيير النظام بالكامل عبر رفع شعارات الموت للدكتاتور و يسقط السيد علي و الموت لخامنئي و لا نريد الجمهورية الإسلامية لا نريدها و يجب أن يرحل الملالي ، بل هناك من يطالب وفق تقارير إعلامية بعودة نظام الشاه برفع اسم ولي العهد السابق رضا بهلوي، على غرار شعارات هذه هي المعركة الأخيرة، البهلوي سيعود و رضا شاه طاب ثراك و الخلود للشاه .

ثالثًا. أساليب النظام في إدارة الاحتجاجات

تبنى النظام خطابا مغايرًا وأقل حدة في إدارته للاحتجاجات يوازن بين الأبعاد الداخلية والخارجية، بما يتيح له المجال لاحتوائها مع الاحتفاظ بمبررات ردعها إذا ما شكلت تهديدا له، فقد أقرت السلطة بمشروعية المطالبات نتيجة للأوضاع الاقتصادية الصعبة، والظروف المعيشية السيئة، ولكنها في الوقت نفسه لم تستبعد كليا نظرية المؤامرة عبر توظيف البعد الخارجي، فبدل إنكار السياق الداخلي واتهام أطراف خارجية بصناعتها من الأساس؛ صاغ النظام الإيراني رؤية تعتبر أن هناك أطراف خارجية تحاول استغلال الاحتجاجات المشروعة وتوجيهها كامتداد للحرب الإسرائيلية والأمريكية على إيران. انطلاقا من هذه الرؤية زاوج النظام في إدارته للاحتجاجات بين الاستجابة والمواجهة.

تمثلت الاستجابة في إقرار المرشد علي خامنئي المواطنين بأحقية الاحتجاج والإقرار بالركود الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية، وهو الأمر نفسه الذي أكده الرئيس مسعود بزشكيان وغيره من المسؤولين الإيرانيين، وفتح المجال للحوار مع المتظاهرين، واجراء بعض التغييرات في مقدمتها تغيير محافظ البنك المركزي وتعيين الخبير الاقتصادي عبد الناصر همتي محافظا جديدا خلفا لمحمد رضا فرزين، والذي وعد باستعادة الاستقرار الاقتصادي للمجتمع، كما أكد عزمه على مكافحة الريعية الناتجة عن تعدد أسعار العملة الأجنبية في البلاد. بالموازاة مع ذلك تم حل مصرفين تسببا بالخلل والغلاء، كما وعدت الحكومة بزيادة في الرواتب، وبعض الإعفاءات الضريبية، وزيادة الدعم.

أما على المستوى الأمني فتمثلت الاجراءات الأمنية في الانتشار الواسع للشرطة وأجهزة مكافحة الشغب، وتأطير بعض الاحتجاجات من خلال منعها من الوصول إلى المراكز الحساسة، وتفريق البعض الآخر عبر الغازات المسيلة للدموع وغيرها من الوسائل كرد على عنف بعض المتظاهرين، كما شددت القيود على خدمة الإنترنت، وعزل مسؤولي الحراسة في ثلاث جامعات رئيسية، وأطلاق سراح الطلاب المعتقلين، لتهدئة الطلبة، وتحويل الدراسة عن بعد في بعض الجامعات بحجة الظروف غير الطبيعية.

ربطت السلطة الإيرانية من ناحية أخرى بين تهديد القوى الخارجية بالتدخل لدعم المحتجين وبعض الاجراءات القمعية كمحاولة لتحييد التأثير الخارجي على دعم الاحتجاجات. فاستثناء مثيري الشغب و المشاغبين و المندسين الذين كان يشار إليهم كثيرا؛ يمثل المدخل الرسمي للتعاطي مع المظاهرات في هذه المرحلة ومستقبلا في حالة توسعها بشكل يهدد النظام مما يدفع إلى أمننتها، وهذا ما بررت به السلطة بعض الاعتقالات والقتلى بكونهم مثيري شغب يعملون على تنفيذ أجندة أجنبية بتوجيه من الملكية وغيرها من التنظيمات المعارضة في الخارج، وأعلن عن مصادرة أسلحة كانت بحوزة بعض الموقوفين.

رابعًا. المواقف الإقليمية والدولية

مقارنة بكافة الجولات الاحتجاجية السابقة، تشهد الجولة الراهنة، تحولاً في المواقف لا سيما الأمريكية، من مواقف متواضعة إلى مواقف داعمة بشدة للاحتجاجات في عهد إدارة الرئيس ترامب، ولذلك يعد الدعم الخارجي من أبرز سمات الجولة الراهنة، لكونه يعزز من استمرارية الاحتجاجات، وربما يأتي ضمن سيناريو لإحداث فوضى عارمة تتيح التدخل بما يؤل بالنهاية إلى إسقاط النظام، وفيما يلي ملامح التحول:

1. الوعيد الأمريكي: في رسالة دعم ملغومة للمحتجين، تحث الكتلة الصامتة والمترددة للنزول إلى الشوارع، رسم الرئيس ترامب خطوط حمراء أمام النظام الإيراني في تعاطيه مع المحتجين، مهددًا بالتدخل المباشر في إيران حال استخدم النظام القمع ضد المتظاهرين، ووصفهم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من مأرب برس

إقرأ على الموقع الرسمي


عدن تايم منذ 15 ساعة
مأرب برس منذ 4 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 18 ساعة
موقع عدن الحدث منذ 5 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 12 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ ساعة
مأرب برس منذ 18 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ ساعتين