تبني مصر أكثر من مليون وحدة سكنية سنوياً، وتسجل في بعض السنوات فائضاً واضحاً بين عدد الوحدات الجديدة وعدد الزيجات. ما الإسكان غير الرسمي؟. لا يعني الإسكان غير الرسمي في مصر بالضرورة عشوائيات أو مساكن صفيحاً، في كثير من الحالات هو مبانٍ خرسانية مكتملة، مأهولة بالسكان، لكنها شُيّدت خارج الإطار القانوني للتخطيط أو الترخيص أو التسجيل العقاري.. هو إسكان أنتجته السوق، لكن الدولة لم تكن حاضرة في تنظيمه، إما بسبب تعقيد الإجراءات، أو ارتفاع التكلفة، أو غياب بدائل ميسورة.. أما العشوائيات أو المناطق غير الآمنة، فهي جزء فرعي من هذا المشهد، وغالباً ما ترتبط بمخاطر إنشائية أو صحية واضحة.. للمزيد

في الظاهر، تبدو الأرقام مطمئنة.. تبني مصر أكثر من مليون وحدة سكنية سنوياً، وتسجل في بعض السنوات فائضاً واضحاً بين عدد الوحدات الجديدة وعدد الزيجات، لكن خلف هذه الصورة، يعيش ملايين المصريين واقعاً مختلفاً تماماً، إذ لا تعني كثرة البناء بالضرورة القدرة على السكن. المشكلة لا تكمن في عدد الوحدات، بل في نوعها، وسعرها، ومن يستطيع الوصول إليها، فمن بين أكثر من 1.34 مليون وحدة سكنية أُنتجت في السنة المالية 2022/2023، جاء أكثر من 82% من القطاع الخاص غير الرسمي، مقابل أقل من 9% فقط من القطاع العام، ونحو 9% من القطاع الخاص الرسمي، هذا التوزيع لا يعكس خللاً فنياً في سوق البناء، بل يعكس اختلالاً أعمق في بنية الطلب والدخل. جُمعت كل هذه البيانات من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وزارة الإسكان المصرية، البنك الدولي، وتقارير أخرى.

ما الإسكان غير الرسمي؟ لا يعني الإسكان غير الرسمي في مصر بالضرورة عشوائيات أو مساكن صفيحاً، في كثير من الحالات هو مبانٍ خرسانية مكتملة، مأهولة بالسكان، لكنها شُيّدت خارج الإطار القانوني للتخطيط أو الترخيص أو التسجيل العقاري.

هو إسكان أنتجته السوق، لكن الدولة لم تكن حاضرة في تنظيمه، إما بسبب تعقيد الإجراءات، أو ارتفاع التكلفة، أو غياب بدائل ميسورة. أما العشوائيات أو المناطق غير الآمنة، فهي جزء فرعي من هذا المشهد، وغالباً ما ترتبط بمخاطر إنشائية أو صحية واضحة.

في ما يخص هذا الفرق، تُظهر البيانات تراجعاً حاداً ولافتاً في نسبة سكان الحضر المقيمين في مناطق عشوائية في مصر خلال العقدين الماضيين.

فقد انخفضت النسبة من أكثر من 42% عام 2000 إلى أقل من 1% خلال الفترة 2016 و2020، وهو تحسّن سريع وعميق يعكس تحوّلاً هيكلياً في التعامل مع المناطق غير المخططة، سواء عبر الإزالة وإعادة التوطين أو من خلال مشروعات التطوير الحضري.

بوجه عام، تعكس التجربة المصرية وتيرة تغيير أسرع وحجماً أكبر من التحسن مقارنة بعدد من الدول الإقليمية، مع بقاء الحاجة إلى سياسات مستدامة تضمن استمرارية هذا التراجع وعدم تحوّله إلى مسار مؤقت.

لماذا يهيمن القطاع غير الرسمي؟

خلال ستة عشر عاماً، بلغ متوسط إنتاج الإسكان غير الرسمي في مصر نحو 795 ألف وحدة سنوياً، مقابل أقل من 150 ألف وحدة للقطاع الخاص الرسمي، ونحو 109 آلاف وحدة للقطاع العام. هذه ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل متراكبة، وهي ارتفاع أسعار الأراضي الرسمية، وضعف القدرة الشرائية للأسر، وتحوّل الإسكان من حق اجتماعي إلى أصل استثماري. ينتج القطاع الرسمي، العام والخاص، وحدات لا تتناسب في معظمها مع دخول الفئات المتوسطة والدنيا، ومع غياب سوق إيجار منظم ومستقر، يصبح البناء غير الرسمي هو الخيار الوحيد المتاح، لا لأنه مفضل، بل لأنه الممكن. اختلال أعمق في بنية الطلب والدخل

تكشف هذه المقارنة فجوة مهمة بين العرض الكمي للمساكن والطلب الاجتماعي الفعلي المرتبط بتكوين الأسر الجديدة.

عند مقارنة إنتاج الإسكان بعدد الزيجات خلال السنوات الخمس الأخيرة، يظهر فائض عددي واضح، بلغ في المتوسط أكثر من 227 ألف وحدة سنوياً. لكن القراءة المتعمقة للأرقام تُظهر أن المشكلة ليست في عدد الوحدات المنتجة، بل في ملاءمتها الاقتصادية والاجتماعية، ففي عامي 2020/2019 و2020/2021، تحوّل الفائض إلى عجز، وهو ما تزامن مع تباطؤ اقتصادي وجائحة كورونا.

الأهم أن الفوائض الكبيرة المسجلة في 2022/2021 و2023/2022 لم تُترجم بالضرورة إلى تحسّن في قدرة الشباب على الحصول على سكن مناسب، لأن جزءاً كبيراً من هذه الوحدات يتركز في مشروعات مرتفعة التكلفة أو في مواقع لا تتوافق مع أنماط الطلب الفعلي، وهو ما يدفع شريحة واسعة إلى الاستمرار في الاعتماد على الإسكان غير الرسمي رغم وفرة الإنتاج. بمعنى آخر، الأرقام تؤكد أن الفجوة ليست بين الزواج والبناء، بل بين الدخل والسعر، وبين الموقع والاحتياج. الدولة بين الدعم والربحية

خلال العقد الأخير، تطورت برامج الإسكان المدعوم، لكنها بقيت محدودة مقارنة بحجم الطلب. في المقابل، ارتفعت حصة الوحدات الحكومية الهادفة للربح. هذا التحول أسهم في تحسين كفاءة بعض المشروعات، لكنه لم يعالج جوهر الأزمة المتعلقة بإتاحة السكن.

توضح البيانات تحوّلاً هيكلياً مهماً في دور الدولة داخل سوق الإسكان. فعلى الرغم من استمرار وجود برامج إسكان مدعوم بمتوسط سنوي يقارب 70 ألف وحدة، فإن الاتجاه العام خلال العقد الأخير يُظهر توسعاً متسارعاً في الوحدات الحكومية الهادفة للربح. يظهر التحول الأبرز في عام 2023/2022، إذ تراجعت وحدات الإسكان المدعوم إلى نحو 50 ألف وحدة، في مقابل قفزة كبيرة في الوحدات الهادفة للربح التي تجاوزت 71 ألف وحدة. لا يعني هذا التحول انسحاب الدولة من القطاع، بل إعادة تموضعها كمطوّر عقاري كبير ينافس السوق، وهو ما يخلق مفارقة أساسية، وهي أن الدولة تنتج وحدات بكميات كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تُقلّص تدريجياً نصيب الفئات الأقل دخلاً من هذا الإنتاج. النتيجة المباشرة لذلك هي تعزيز الاعتماد على الإسكان غير الرسمي كآلية تكيّف اجتماعي، خصوصاً في ظل ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار الوحدات الرسمية، وتراجع فعالية الدعم في الوصول إلى الشرائح الأكثر احتياجاً. تكشف الأرقام أن أزمة السكن في مصر ليست أزمة بناء، بل أزمة مواءمة، فالسوق ينتج وحدات بكثافة، والدولة حاضرة كمطوّر رئيسي، لكن الفجوة ما زالت قائمة بين ما يُبنى، وما تستطيع الأسر تحمّله فعلياً، وبين المواقع المعروضة واحتياجات السكان اليومية. لم ينشأ الإسكان غير الرسمي خارج المنظومة، بل داخلها، كاستجابة تلقائية لاختلالات في الدخل، والأسعار، وسوق الإيجار، وآليات الإتاحة، ومع تحوّل السكن إلى أصل اقتصادي واستثماري، باتت معادلة الوصول إليه أكثر تعقيداً.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 17 دقيقة
منذ 19 دقيقة
منذ ساعة
منذ 59 دقيقة
منذ ساعة
منذ 31 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 21 ساعة
مجلة رواد الأعمال منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين