يا لها من خدعة كبرى... أن يظنَّ الإنسان أنَّ مجده يُحمَل على أكتاف آبائه، وأنَّ شرفه يُجرّ وراءه كما تُجرّ المفاخر في مواكب الجاه. ما أشد ظلمة الوهم حين يخيّل للمرء أنَّ الدماءَ وحدها تصنع الرفعة! ولو أنه وقف في ساعةِ كشفٍ تام، جُرّد فيها من أسمائه وأنسابه، لوجد نفسه في الفضاء وحيدًا... لا يملك من حقيقة ذاته إلا ما أودع فيها من صدقٍ وتقوى. النَّسب؟. يا الله... ما أهونَه حين تهبّ رياح الحقيقة! إنّه ظلٌّ على جدار الزمن؛ ما دام النور قائمًا بان، فإذا أقبل ليل الآخرة، تهاوى كما تتهاوى السرابيل الخفيفة عن أكتاف الراحلين.
أمَا سمعوا قول ربّهم جلّ شأنه: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾؟
تلك اللحظة التي يذوب فيها كلُّ شيء، وتنكسر سيوف الفخر، وتسكت ألسنة التفاخر، وتبقى الأعمال وحدها تتكلّم، شاهدةً على أصحابها شهادةً لا تحتمل التزيين ولا التبديل. يا الله... أيّ مشهدٍ هذا؟. أناسٌ عاشوا يتباهون بآبائهم، فإذا هم في موقفٍ تُطرح فيه الأنساب كما يُطرح الغبار عن الكتف، ويُدعى الإنسان باسمه الذي كتبه بيده في صحيفة العمر، لا بالاسم الذي ورثه من جدّه. ثمّة داءٌ آخرُ يَحمل لواء الجاهلية... داءٌ تنفخه بعضُ المجالس والمنتديات، ويُؤجّجه الشعراءُ الذين باعوا قصائدهم للبهرجة، فصاروا يَنفخون في نار التفاخر نفخةً بعد نفخة؛ يصنعون من النسب صنمًا، ومن القبيلة محرابًا، ومن الدماء رايةً يلوّحون بها كأنها صكٌّ بالغلبة أو وثيقةٌ بالرفعة.
مجالسُ تُروى فيها الأنساب كما تُروى الأساطير، يُنصَب لها صدر الكلام، وتُسكب في آذان الحاضرين سُكْرة الفخر، فيغدو النسب عندهم أعلى من المروءة، وأغلى من الأخلاق، وأثقل وزنًا من الصدق والعمل. ومنتدياتٌ تُرفع فيها الرايات لا على الحقائق، بل على الأوهام؛ فإذا جلسوا، جلست الجاهلية معهم، وإذا تكلّموا، تكلّمت عقولهم قبل ألسنتهم. أما الشعراء، فبعضهم ـ لا كلهم ـ قد جعلوا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
