بقلم: د. يعقوب يوسف الغنيم
الاهتمام بالتمثيل المسرحي في الكويت - إنجازا ومشاهدة - قديم، وأنا أذكر كثيرا مما كان يقدم من أنشطته في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وبالتحديد منذ أن بدأت المدارس النظامية في تقديم خدماتها للمجتمع بنشر التعليم الحديث - آنذاك - ورعاية الأنشطة المدرسية المتعددة التي بدأت آثارها منذ ذلك الوقت بالإشعاع الذي لفت الأنظار إلى الدور الذي تستطيع المدرسة أن تقوم به في التنوير المجتمعي، إضافة إلى ما تؤديه للأبناء من علوم ومعارف. فقد صارت المدرسة - بصفة عامة - وسيلة من وسائل الإرشاد والتوعية بطرق متعددة كان منها ما تقدمه على المسارح التي يتم إنشاؤها في ساحاتها بصورة مؤقتة لكي تقدم عليها التمثيليات، والاحتفالات بالأحوال ذات العلاقة بالمناسبات الدينية والوطنية.
ونحن نعلم أن المدارس النظامية عندنا في الكويت قد بدأت بأداء مهماتها منذ السنة الدراسية 1911م - 1912م، وذلك إثر قيام المدرسة المباركية، وقد كانت ثاني مدرسة - من هذا النوع - المدرسة الأحمدية التي تم افتتاحها في سنة 1921م، ومن الملاحظ أنني أشرت هنا إلى النشاط الذي لاحظته منذ سنة 1946م وما بعدها، وهذا الأمر يرتبط بالسنة التي بدأت بها دراستي في المدرسة الأحمدية، ومن أجل ذلك، فإنني لم أتطرق إلى ما كان يجرى من الأنشطة خلال السنوات السابقة على السنة التي ذكرتها.
وعلى كل حال، فقد أدى هذا النشاط القديم إلى نشوء حركة مسرحية غذاها رجال دفعت بهم هوايتهم لهذا الفن إلى المشاركة في تقديم مسرحيات وتمثيليات أسهم بعضهم في كتابتها، وأسهم البعض الآخر في التمثيل والإخراج وكل ما يقتضيه العمل في هذا الميدان، كما أدى بهم عشقهم لهذا العمل إلى الانطلاق الذي جعل الناس يلتفون حولهم، مشاهدين ومشجعين. وكان من بين أولئك الأوائل الأستاذ عقاب الخطيب والأستاذ محمد النشمي.
عندما نشأت دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سنة 1952م، كان مديرها هو الأستاذ حمد الرجيب الذي كان قد تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، وكان قبل عمله في هذه الدائرة ناظرا لمدرسة الصباح المعروف موقعها حتى يومنا هذا، وقد دفع به حبه للمسرح إلى إنشاء أول فرقة مسرحية منتظمة، وهيأ لهذه الفرقة - بدعم من دائرة المعارف الكويت - مسرحا في ساحة المدرسة المذكورة تقدم تلك الفرقة مسرحياتها على خشبته.
وفي سنة 1961م، بدأ جهاز التلفزيون الحكومي الكويتي ببث برامجه، فاستطاع بعد بدايته بوقت قصير، أن يحتضن رواد الجيل الثاني من هواة التمثيل، وبخاصة منهم أولئك الذين رعتهم دائرة الشؤون الاجتماعية، واستضافت لرعايتهم وتوجيههم رجلا من كبار رجال المسرح المصري هو الأستاذ زكي طليمات. ولقد تطور هذا العمل الفني برعايته لفرقة المسرح العربي التي دربت وخرجت فنانين كويتيين مقتدرين على هذا العمل. وبذا سارت عجلة هذا النوع من الفنون التي برزت وأعجب بها الجمهور وأحب مشاهدة كل ما يقدم من أنواعها، وبخاصة ما كان يقدم من مسرحيات وتمثيليات، سواء أكان ذلك على خشبة المسرح أو على شاشة التلفزيون.
ونحن نستطيع أن نتذكر أسماء أعداد كثيرة من الفنانين الذين أسهموا في هذه الحركة من كتاب للنصوص وممثلين، ومخرجين، ومن عاملين في كل ما يقتضيه هذا النوع من الفنون من أعمال.
يعرف الناس إلى يومنا هذا تلك الأسماء، ويذكرون كثيرا من مواقفهم التمثيلية التي لا تنسي، ومنهم: عبدالحسين عبدالرضا، وخالد النفيسي، وغانم الصالح وسعد الفرج، على سبيل المثال.
ولكن بعضا ممن أسهم في هذا النشاط الفني المهم ممن انتقل إلى رحمة الله قد غاب عن الأذهان بمرور الزمن، وهذا أمر غير لائق، إذ إن من حقهم علينا أن نذكرهم، ونشكر لهم جهودهم التي كانوا فيها من الأوائل، وقد مهدوا الطريق لكل من أتى بعهدهم حتى وجدنا الحركة الفنية بأنواعها المختلفة وهي على حالها اليوم قوية ومبدعة.
وكما كان للتمثيل وما يتعلق به دور في أيامنا الماضية، ولا يزال، فإن الموسيقى والغناء لهما دور مهم، بل هما من أقدم الفنون عندنا، لأننا نذكر الشاعر الفنان عبدالله محمد الفرج، وما كان له من دور مهم في هذا المجال، ونستطيع أن نعرف قدم العمل الذي قام به في هذا الشأن إذا عرفنا أنه كان من مواليد سنة 1836م، وأن وفاته كانت في سنة 1901م، وأنه كان يجلس مجالس يجرى فيها الغناء الذي أخذه عنه كل من خالد البكر ويوسف البكر، ولدينا الآن ذخيرة مما تركه لنا هذا الثلاثي البديع على هيئة تسجيلات عني بها الأستاذ أحمد البشر الرومي وهي تشتمل على أغان كانت تتردد قديما سجلها بصوت الفنان يوسف البكر.
ومن أجل هذا، فقد جاء هذا المقال لكي يذكر ببعض الأسماء ذات الدور المهم في نطاق الفن، ولا عذر لنا في نسيانها، فقد كان لها دور في هذا المجال التوجيهي والترفيهي معا.
وهذه أمثلة لمن نعنيهم:
1- في يوم الجمعة الموافق لليوم الثامن عشر من شهر أغسطس لسنة 2000م، فقدت الكويت ابنا بارا من أبنائها هو الفنان المتمكن مرزوق المرزوق، رحمه الله.
كان هذا الفنان في طليعة الفنانين الكويتيين الذي نهضوا بالأغنية الكويتية، وعملوا على نشرها بأساليب جديدة وجذابة. ولقد اجتهد في سبيل الوصول إلى ما يتمناه في دنيا الموسيقى والغناء، فقطع مسافات من التدريب والدراسة، وتوج ذلك كله بالحصول على بكالوريوس الموسيقى من المعهد العالي للفنون الموسيقية في سنة 1977م، وكان ذلك في القاهرة.
وكان لهذا الفنان القدير اهتمام بتطوير الألحان المحلية، وبخاصة منها ما يتعلق بالأغاني والأناشيد الوطنية، فقد اتجه إلى تطويرها وإتقانها حتى أتى من تلك الألوان الفنية بما يبهج، وما تقبله كل السامعين وحفظوه.
ولكنه لم يقف عند هذا النوع فإن مجمل ما أنتجه من ألحان كان يصل إلى ما يقرب من المائة لحن، كما رصدت في مكتبة إذاعة الكويت ويضم إلى جانب تلك الأغاني الوطنية عددا من الأغاني العاطفية، والمقطوعات الموسيقية. وكان له اهتمام خاص بالأوبريت فلحن من كلمات الشاعر عبدالله العتيبي في سنة 1984م الأوبريت الغنائي الشهير: «يا شموس الخليج» وقد كان ناجحا للغاية بفضل النص الجيد واللحن الذي أبدعه هذا الفنان: مرزوق المرزوق. ومن الجدير بالذكر أن هذا الأوبريت قدم في السنة التي ذكرناها أمام ضيوف الكويت الذين حضروا اجتماع مجلس التعاون الخليجي هنا.
ولقد جاء في الأوبريت على لحن العرضة:
أي أرض حدودها الكبرياء
وسماها يموج فيه الضياء
وإليها يحل بدر الليالي
مثل أرض قد كرمتها السماء
لقد كان هذا الفنان علما من أعلام الموسيقى في الكويت، وكانت ألحانه تغنى بأصوات عدد كبير من المطربين الكويتيين وله أغنيات شاعت بين الناس ولاتزال إذاعة الكويت ترددها إلى اليوم، ومن تلك الأغنيات هذه الأغنية التي غناها الفنان حسين جاسم من ألحان مرزوق المرزوق وكلمات جاسم الشهاب، وهي التي تبدأ هكذا:
حبيبي شمعة الجلاس
ولا كو من يصد عنه
غشيم بالهوى ما داس
ادروبه من صغر سنه
ولم يكن الفنان المرزوق مكتفيا بتلحين الأغنيات كما لم يكن منفردا بنفسه في جميع أعماله، ولذا فقد رأينا له عملا كبيرا وجميلا في سنة 1974م.
حين شارك الفنان الكبير غنام الديكان في تلحين الأغاني المصاحبة للمسلسل التلفزيوني: «درس خصوصي»، وكان من بطولة الفنانة سعاد عبدالله والفنان القدير عبدالحسين عبدالرضا. وكان هذا المسلسل من إخراج حمدي فريد، أما الأغاني فمن كلمات الشاعر فايق عبدالجليل.
وفي سنة 1974م غنى المطرب المعروف عبدالمحسن المهنا، وهو من أبرز مطربي الكويت في وقته ولا يزال ذكره ساريا بين محبي الغناء، أغنية من تأليف الشاعر محمد التنيب، وكان عنوانها «يوم خلي طرا»، وبدايتها تقول:
يوم خلي طرا قلبي واعزتي له
ودمع عيني جرا ولا توقف هميله
وإذا عرفنا الإنتاج الوفير، لهذا الفنان القدير، فإننا سنستدل على كفاءته، وعلى مقدرته الفنية. ثم إننا إذا تتبعنا نجاح أعماله بين الجمهور وجدنا جمهوره وهو يشهد له بالتفوق.
ولم يكن نشاط الفنان مرزوق المرزوق مقتصرا على التلحين، ولكنه كان مشاركا في كثير من الأنشطة التي تهم رجال الفن في الكويت وفي خارجها، ولذا فإننا لنرى له عددا من المشاركات وفق ما يلي:
- شارك الأستاذ عبدالعزيز المفرج في القيام بمهمة دعت إليها جامعة الدول العربية في سنة 1978م، وذلك من أجل البحث في إقامة اتحاد للموسيقيين العرب، يضم كل الجمعيات والنقابات العاملة في الحقول الفنية ضمن الدول العربية، وقد تابع الرجلان هذا العمل وفق تكليف جمعية الفنانين الكويتيين لهما بذلك.
- مثل الفنان مرزوق المرزوق دولة الكويت في مهرجان الربيع للموسيقى الذي أقيم في بلدة برانت بتشيكوسلوفاكيا في الفترة ما بين 12 مايو و4 يونيو لسنة 1979م.
- وفي سنة 1981م رافق الفنان مرزوق المرزوق فرقة تلفزيون الكويت عندما انتقلت إلى تونس وقدمت هناك مجموعة من العروض الشائقة.
- وشارك في سنة 1982م في الوفد الفني الثقافي الذي ذهب إلى اليمن من أجل إقامة أسبوع لعرض الثقافة الكويتية والفن الكويتي هناك، وكان مصاحبا لعدد كبير من كبار الفنانين الكويتيين.
- قام بأنشطة كثيرة في مجال الدراما التلفزيونية وأنجز عددا من المنجزات التي لاتزال تذكر له.
وبعد عمل مستمر، وجهود كبيرة بذلها هذا الفنان القدير، انتقل إلى رحمة الله تعالى، مأسوفا عليه، ومذكورا بكل ما قدمه من أعمال خلال مسيرة حياته.
رحمه الله.
2- المرحوم الفنان سالم محمد الفقعان من الفنانين الكويتيين الذين نهضوا عندنا بفن المسرح، وذلك بما قام به من أعمال في نطاق هذا الفن من تمثيل وتأليف وإخراج، وإدارة للأعمال المسرحية.
كان تفرغه للمسرح واضحا وأعماله مرتبطة به في كافة الجوانب التي أشرنا إليها.
ولد في الكويت سنة 1938م، وتوفي بها.
كان هذا الرجل من الذين عرفتهم في أيام الدراسة في معهد الكويت الديني، فقد كان زميلا لي فيه، وكان يتميز بصفات حميدة كثيرة، منها الاهتمام بأصحابه، وخفة الظل، وحضور البديهة ما جعله موضع اهتمام مدرسيه وزملائه الطلبة على السواء. وكان مثيرا لضحكنا وأنسنا بفضل ما يتفوه به من نوادر.
ولكنه لم يستمر معنا فترة طويلة بل سرعان ما غادر معهد الكويت الديني، وتفرغ لعمل آخر يؤديه بعيدا عنا فلم نعرف عنه أخبارا إلا فيما بعد، ذلك أنه اتجه إلى جانب عمله الذي يزاوله إلى الفن المسرحي، واهتم بمشاركة زملاء آخرين له بهذا الاتجاه الذي سار عليه، وهو اتجاه لا يتعارض مع طبيعة صاحبنا التي كنا نشهده عليها أيام دراسته معنا.
ولقد وجد أن الفن الذي أحبه، وتمكن من قلبه لا يمكن أن يؤدي به إلى تحقيق طموحه إذا لم يكن مبنيا على العلم والدراسة، فالتحق بمعهد التمثيل، وتخرج فيه كما أراد لنفسه، وصار ممثلا ومخرجا متمكنا من ذلك.
ثم رأى نفسه غير قادر على العمل منفردا، وأنه لا بد أن يضع يده بيد الآخرين الذين تشربوا مثله حب الفن المسرحي وبرزوا فيه، وكانت فرقة مسرح الخليج العربي قد بدأت أعمالها، وأعلنت عن نفسها بصفتها فرقة تضم عددا من شباب المسرح المتطلعين إلى المستقبل من خلاله، فانضم إلى هذه الفرقة، وحمل راية العمل معها منذ سنة 1962م إلى سنة 1968م، وكان رئيسا لمجلس إدارة هذه الفرقة منذ سنة 1964م حتى سنة 1968م، فقد دفعه حبه لتجديد مسار حياته إلى الانتقال إلى جهة أخرى من الجهات الفنية المتواجدة في الساحة الفنية، فانضم إلى فرقة المسرح الكويتي في سنة 1969م، وبرز في عمله معها حتى تم اختياره عضوا في مجلس إدارة هذه الفرقة لعدة سنوات. واتضح عمله بها أكثر من ذلك فصار رئيسا لمجلس إدارتها منذ سنة 1985م إلى سنة 1994م، وهي أطول مدة مكثها في موقع من المواقع الفنية.
وكان حريصا على توحيد العمل في المسارح وعلى سير المسرحيين الكويتيين بانتظام شديد دون أي تضارب في أعمالهم، كما كان يعلم أن تعامل هؤلاء المسرحيين مع الجهات المسؤولة في الحكومة لا ينال أهميته إلا إذا جاء عن طريق هيئة ذات هيكل قانوني، فسعى مع زملائه في بقية المسارح التي نشأت في ذلك الوقت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للمسارح الأهلية.
وأحب في هذه الفترة أن يكون مستقلا بعمله ينفذ من خلال ذلك ما يراه من أفكار ومن أعمال، فقام بإنشاء فرقة مسرحية أطلق عليها اسما فنيا جميلا هو: فرقة المراويس. والمراويس جمع مرواس، وهو من آلات الإيقاع الكويتية المعروفة التي تستهوي السامعين في مناسبات الاحتفالات والجلسات الغنائية. ولقد اختار هذا الاسم حبا منه لهذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأنباء الكويتية
