ليس كل القرارات الإدارية متشابهةفي دلالاتها، فبعضها يتجاوز حدود الإجراء ليحمل رسالة سياسية وثقافيةوأخلاقية عميقة. ومن هذا القبيل يأتي التوجيه السامي من صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، بإعادة تسمية كلية البحرين للمعلمين لتصبح كلية محمد جابر الأنصاري للمعلمين ؛ وهو توجيه لا يكرّم اسمًا فكريًا لامعًا فحسب، بل يضع الإصبع على جوهر معركة ثقافية ما زالت مفتوحة: معركة بناء الوعي الوطني، والتصدي للفكر الطائفي المدمّر.
إن اختيار اسم المفكر البحريني الكبير محمد جابر الأنصاري، رحمه الله، ليكون عنوانًا لمؤسسة تُعنى بإعداد المعلمين، لا يمكن قراءته بوصفه تكريمًا رمزيًا أو وفاءً لسيرة فكرية حافلة فحسب، بل هو في عمقه انحياز واعٍ لمشروع فكري وثقافي وطني لطالما دعا إليه الأنصاري، ونبّه إلى ضرورته مبكرًا، قبل أن تتحول الطائفية في منطقتنا إلى وقود صراعات وانقسامات.
لم يكن محمد جابر الأنصاري مفكرًا مناسباتيًا، ولا كاتبًا أسير اللحظة، بل كان منذ بداياته صاحب مشروع نقدي يقرأ المجتمع العربي والخليجي قراءة عميقة، ويبحث في جذور أزماته الفكرية والثقافية، وفي مقدمتها اختزال الهوية الوطنية في انتماءات ضيقة، وتحويل الاختلافات المذهبية إلى هويات صراعية تهدد الدولة والمجتمع معًا. ولهذا لم يكن تصديه للطائفية خطابًا عاطفيًا أو سياسيًا عابرًا، بل موقفًا مبدئياً ومعرفيًا يقوم على إعادة بناء الثقافة الوطنية على أسس عقلانية جامعة.
ومن أبرز الشواهد المبكرة على هذا التوجه، كتابه الصغير في حجمه، الكبير في دلالته:
«نحو تأسيس لا طائفي لثقافتنا الوطنية: هكذا نظرت إلى الشيخ ميثم.. قبل 35 سنة».
وهو كتاب كُتب في ستينات القرن الماضي، في زمن لم يكن فيه الحديث العلني عن الطائفية مألوفًا، ولا نقدها الثقافي أمرًا مطروقًا على هذا النحو الصريح. لقد كان هذا النص، في جوهره، بيانًا ثقافيًا مبكرًا، ومحاولة واعية لتأسيس خطاب وطني يتجاوز القسمة الطائفية في قراءة التاريخ والتراث.
ولم يكن اختيار الأنصاري لشخصية الشيخ ميثم البحراني اختيارًا عابرًا أو سطحيًا؛ فالشيخ ميثم، بوصفه عالمًا وفيلسوفًا ومتكلمًا إسلاميًا في القرن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
