بنك الجزائر أمام مرحلة جديدة.. هل تتغير بوصلة السياسة النقدية؟

شكّل قرار إنهاء مهام محافظ بنك الجزائر المركزي وتكليف قيادة جديدة للمؤسسة النقدية محطة مفصلية في إدارة الشأن الاقتصادي، عاكساً توجهاً رسمياً لإعادة تقييم الخيارات النقدية المعتمدة، في ظل تحديات متزايدة تتعلق بضبط السيولة، وكبح التضخم، والحفاظ على التوازنات المالية.

ويرجع أستاذ الاقتصاد فريد بن يحيي الإقالة إلى قرار وقف الإيداع النقدي في البنوك دون التنسيق والتشاور مع البنوك أو وزارتي المالية والتجارة الداخلية، مما اضطر الرئاسة الجزائرية للتدخل بإقالة المحافظ وتعيين نائبه قائماً بالأعمال.

وأوضح بن يحيى في تصريحات لـ«إرم بزنس» أن البنك المركزي كان قد وجّه مراسلة إلى جميع البنوك الجزائرية العمومية والخاصة، تقضي بعدم التعامل بالأموال النقدية، وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى التجار، خاصة في ظل وجود كتلة نقدية كبيرة في الجزائر خارج النظام الرسمي.

وأضاف أن ذلك دفع التجار إلى تقديم شكاوى لوزارة التجارة الداخلية، قبل أن تصل المسألة إلى رئاسة الجمهورية، التي قررت في النهاية عزل المحافظ، واعتبر بن يحيى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التنسيق، مؤكداً أن أي قرار يصدر عن محافظ بنك مركزي أو مسؤول مصرفي يجب أن يسبقه التشاور.

وبيّن أن محافظ البنك المركزي من المفترض أن يتمتع باستقلالية، وهو أمر صحيح، لكنها استقلالية معقولة ومضبوطة، ولا يمكن أن تكون أكبر من صلاحيات رئاسة الجمهورية، إذ تحكمها ضوابط وقواعد معينة.

«المركزي الجزائري» يلغي منع إيداع النقود في البنوك عقب إقالة المحافظ

السياسة النقدية

وفي إطار التغييرات التي شهدها البنك المركزي، خفض البنك الخميس الماضي نسبة الفائدة بـ25 نقطة أساس، لتسجل 2.5% بدلاً من 2.75% سابقاً، بداية من 15 يناير الجاري، وذلك بالتوازي مع تقليص نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك من 2% إلى 1%، مما يسمح للبنوك باستخدام جزء أكبر من سيولتها لتمويل المشاريع.

ويرى الخبير الاقتصادي جلول سلامة في حديثه مع «إرم بزنس» أن قرار خفض الفائدة يعد تحولاً مهماً من سياسة التشديد النقدي إلى التيسير التي تهدف إلى تحفيز التمويل المصرفي وتشجيع الاستثمار خاصة في ظل تراجع معدلات التضخم واستهداف نمو اقتصادي 4% خلال العام الجاري.

وتراجع معدل التضخم السنوي في الجزائر إلى 1.7% نهاية أكتوبر 2025، مسجلاً تباطؤاً مقارنة بـ2.2% في سبتمبر، ما حفز البنك المركزي على خفض الفائدة، وفق سلامة.

ولكن تظل مشكلة مواجهة تنامي أزمة السوق الموازية لسعر الصرف في مقدمة اهتمامات البنك المركزي، حيث يتم يتداول اليورو رسمياً بنحو 150 ديناراً جزائرياً، بينما يصل سعره في السوق الموازية إلى حوالي 280 ديناراً، أي بفارق يقارب 87%، أما بالنسبة للدولار الأميركي يُحدد سعره الرسمي عند حوالي 140 ديناراً بينما تصل قيمته في السوق الموازية إلى أكثر من 240 ديناراً في مؤشر صارخ على اختلالات عميقة في سعر الصرف.

مواطنون جزائريون يسيرون أمام بنك الجزائر - 24-05-2019

وتعد السوق الموازية للعملة، وفق حديث الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر مع «إرم بزنس» بأنها أخطر الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري، لأنها تخلق سعرين للصرف؛ أحدهما رسمي في البنوك والآخر في السوق السوداء، وهو وضع لا يليق بأي اقتصاد يسعى للنمو والانطلاق وتحقيق الاستقرار.

وأوضح ناصر أن هذه الظاهرة تُعد من بقايا النظام الاشتراكي الذي طبع الاقتصاد الجزائري لعقود، مشيراً إلى أن نظام الصرف الحالي يُصنف كـ«عائم مُدار»، إذ لا هو ثابت بالكامل ولا محرر بشكل كامل، حيث يتدخل البنك المركزي دورياً لتحديد سعر الصرف وفق سلة عملات ومؤشرات اقتصادية كلية.

تحرير سوق الصرف

وأكد ناصر أن الحل الجذري يكمن في تحرير سوق الصرف كخطوة أولى، يليها تحرير العملة بشكل تدريجي ومدروس، مع اتخاذ إجراءات مرافقة لحماية الفئات الهشة من الآثار التضخمية المتوقعة، محذراً من تكرار تجارب مؤلمة كتجربة تعويم الجنيه في مصر دون تمهيد كافٍ.

كما شدد على أهمية فتح مكاتب صرف مرخصة وفعّالة، موضحاً أن الإطار القانوني موجود منذ سنوات، لكن التطبيق لا يزال معطلاً، سواء بسبب بطء الترخيص أو تعقيد الشروط، لافتاً إلى أن تجارب التسعينات فشلت لأنها سمحت للمكاتب بشراء العملة فقط دون بيعها، وهو عكس ما يحتاجه المواطن.

كما يؤكد ناصر أنه لا مفر من تحرير سوق الصرف وفتح مكاتب الصرف بشكل منظم، حتى وإن جاء ذلك متأخراً أو على مراحل، معتبراً أن البدء في هذه الخطوة يمثل السبيل الوحيد للقضاء على السوق السوداء للعملة واستعادة الثقة في النظام النقدي.

سكك حديد الجنوب.. كيف تدعم الاقتصاد الجزائري؟

الدفع الإلكتروني

ووفقاً للتقرير السنوي لبنك الجزائر الصادر في ديسمبر 2025 ارتفع عدد الحسابات البنكية بالدينار بنسبة 62.5% ليصل إلى 13.709 مليون حساب سنة 2024، في حين بلغ عدد الحسابات بالعملات الأجنبية 194.5 مليون حساب، أي بزيادة قدرها 42.10%.

كما استقر رصيد الودائع التي جمعتها البنوك عند 4.16 مليار دينار (32 مليون دولار)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 9.8%، وهي وتيرة نمو أعلى من تلك المسجلة في السنة السابقة عند 7.2%.

وفي إطار سعي الجزائر للحاق بالتطور العالمي في مجال الرقمنة الاقتصادية، يؤكد أستاذ الاقتصاد فريد بن يحيى أن الدولة اليوم تسعى إلى تطوير استخدام الأموال الرقمية، وتوسيع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني واستعمال الأجهزة الحديثة، لكن ذلك يجب أن يتم بشكل تدريجي، موضحاً أنه من الصعب منع التعامل النقدي بشكل مفاجئ.

وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن الصين التي تُعد من أكثر الدول تقدماً في مجال الرقمنة عالمياً، لا تزال تقبل التعامل بالكاش، ما يؤكد أن استخدام الأوراق النقدية لا يزال معمولاً به في عدد كبير من الدول، وأن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني يتطلب إجراءات تدريجية، مثل استخدام بطاقات الدفع، والدفع عبر الهاتف المحمول.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ 15 دقيقة
منذ 23 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 44 دقيقة
قناة العربية - الأسواق منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
إرم بزنس منذ ساعة