«سيكس فلاغز القدية» الترفيه كرافعة للنمو الاقتصادي في السعودية

لم يعد التوسع في المشاريع العملاقة في السعودية مسألة مرتبطة بالقدرة المالية أو الطموح العمراني، بل بات انعكاساً لتحول أعمق في فلسفة التنمية الاقتصادية ذاتها. فالمشاريع الجديدة لا تُطرح اليوم بوصفها أصولاً قائمة بذاتها، وإنما كأدوات لإعادة تشكيل منطق النمو، وإعادة توجيه الطلب، وتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ضمن هذا السياق، يبرز مشروع «سيكس فلاغز القدية» (Six Flags Qiddiya) كنموذج تطبيقي لكيفية توظيف قطاع الترفيه في معالجة تحديات اقتصادية مزمنة، أبرزها تسرب الإنفاق، وضيق قاعدة القطاعات غير النفطية، ومحدودية المضاعف الاقتصادي في بعض الأنشطة التقليدية.

فالمسألة هنا لا تتعلق بعدد الألعاب أو حجم الاستثمار، بل بقدرة المشروع على الاندماج في الدورة الاقتصادية، والتأثير في سلوك المستهلك، وسوق العمل، وسلاسل القيمة، وهو ما يجعله مدخلاً مناسباً لفهم التحول الجاري في بنية الاقتصاد السعودي.

«الدرعية» السعودية توقع اتفاقية مع «مداد» لبناء فندق ومساكن فورسيزونز

النمو غير النفطي

اقتصادياً، يمثل الطلب المحلي أحد أكثر عناصر النمو استقراراً مقارنة بالطلب الخارجي، خصوصاً في الاقتصادات المعتمدة تاريخياً على الموارد. ومن هذا المنطلق، تأتي مشاريع الترفيه الكبرى كأدوات لإعادة هيكلة الطلب، وليس فقط تحفيزه.

وتشير بيانات 2024 2025 إلى نمو ملحوظ في السياحة الداخلية والترفيه في المملكة، مع تجاوز عدد الزوار 30 مليون في 2024، وارتفاعه إلى نحو 32 مليون خلال موسم صيف 2025، وإنفاق سياحي تخطى 53.2 مليار ريال سعودي (حوالي 14 مليار دولار). غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها المطلق، بل في دلالتها على تحول سلوكي في أنماط الاستهلاك، حيث بات الإنفاق الترفيهي يُوجَّه بشكل متزايد إلى الداخل.

هذا التحول يعزز النمو غير النفطي بطريقتين متلازمتين: الأولى عبر توسيع قاعدة الطلب المحلي، والثانية عبر رفع جودة هذا الطلب من حيث قدرته على توليد قيمة مضافة محلية. ولهذا تُقدّر مساهمة السياحة في الناتج المحلي غير النفطي بنحو 86 مليار دولار في 2025، وهو ما يؤكد انتقال القطاع من هامش النشاط الاقتصادي إلى أحد محركاته الأساسية.

عروض فعالية «ديزني على الجليد» الترفيهية في الرياض، السعودية، 24 أغسطس 2022.

الانتقال من الإيراد إلى الأثر

التمييز بين الإيراد والأثر يُعد جوهرياً في تقييم المشاريع العملاقة. فالإيرادات تمثل نتيجة مباشرة، بينما الأثر الاقتصادي يقيس مدى انتشار القيمة داخل الاقتصاد. ومشاريع الترفيه، بطبيعتها التشغيلية الكثيفة، تتمتع بمضاعف اقتصادي أعلى من كثير من القطاعات الأخرى.

فالإنفاق داخل وجهة مثل «سيكس فلاغز» لا يتوقف عند التذكرة، بل يمتد إلى الإقامة، والنقل، والتجزئة، والخدمات، وهو ما يخلق شبكة من التدفقات الاقتصادية المتداخلة. ومع إعادة إنفاق دخول العاملين والزوار داخل الاقتصاد المحلي، تتولد آثار إضافية متراكمة تعزز الناتج وتدعم الاستقرار الاقتصادي.

وأشار «صندوق النقد الدولي» (IMF) إلى أن هذا النوع من التوسع في السياحة والترفيه يسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماده الدوري على العوائد النفطية، وهو ما يمنح هذه المشاريع بعداً كلياً يتجاوز إطارها القطاعي.

سوق العمل.. أداة للتنويع لا كمنتج ثانوي

غالباً ما يُختزل أثر المشاريع العملاقة على سوق العمل في عدد الوظائف، بينما يكمن الأثر الأعمق في طبيعة المهارات التي تُنتجها. فمشاريع مثل «سيكس فلاغز» تولد وظائف تشغيلية طويلة الأجل في مجالات الإدارة، والتقنيات، وتجربة المستخدم، وسلامة العمليات، وهي مجالات لم تكن تقليدياً جزءاً من السوق المحلية.

وتشير التقديرات إلى أن «منظومة القدية» ستسهم في إيجاد عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ضمن مسار وطني يستهدف توفير نحو 450 ألف وظيفة في قطاع السياحة والترفيه بحلول 2030. كما يُظهر نمو التوظيف في القطاع بنسبة 24% مقارنة بفترة ما قبل الجائحة أن هذه الوظائف لم تعد هامشية أو مؤقتة.

الأهم أن هذه المشاريع تعمل كقنوات لنقل المعرفة التشغيلية العالمية، ما يرفع جودة رأس المال البشري، وينشئ خبرات قابلة للتوسع في قطاعات أخرى ذات قيمة مضافة أعلى.

المنتج المحلي كقيمة استراتيجية

الأثر الاقتصادي طويل الأجل للمشاريع العملاقة يتحدد بمدى قدرتها على تحفيز سلاسل الإمداد المحلية. فـ«سيكس فلاغز» لا يعتمد فقط على التشغيل المباشر، بل على منظومة واسعة من الموردين المحليين في المقاولات المتخصصة، والخدمات التقنية، والصيانة، والأغذية والمشروبات.

هذا الطلب المستمر يدفع الشركات المحلية إلى تطوير قدراتها والدخول في مجالات جديدة، ما يقلل تدريجياً الاعتماد على الواردات، ويرفع المحتوى المحلي، ويعزز مرونة القاعدة الإنتاجية. كما تتيح هذه المنظومة فرصاً واسعة للشركات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في سلاسل قيمة أكبر، وهو عنصر حاسم في تنويع الاقتصاد.

القطارات الفاخرة.. رافعة جديدة للسياحة والاستثمار في السعودية

تقليص تسرب الإنفاق

يُعد تسرب الإنفاق أحد أكثر التحديات تعقيداً في الاقتصادات المفتوحة، لا سيما تلك التي تمتلك مستويات دخل مرتفعة وقدرة عالية على الإنفاق الخارجي. وعلى مدى سنوات، شكّل الإنفاق الترفيهي الخارجي للأسر السعودية قناة واضحة لتسرب الدخل، حيث كانت العوائد الاقتصادية تُسجَّل في أسواق أخرى بدلاً من الاقتصاد المحلي.

ومع بروز وجهات ترفيهية عالمية المستوى داخل المملكة، يبدأ هذا النمط في التراجع تدريجياً. فإعادة توجيه الإنفاق الترفيهي إلى الداخل لا تعني استبدال وجهة بأخرى فحسب، بل تعني إدخال هذا الإنفاق في الدورة الاقتصادية المحلية، بما يرفع المضاعف الاقتصادي للاستهلاك ويعزز الترابط بين القطاعات المرتبطة بالترفيه والسياحة والخدمات.

وتكمن الأهمية الكلية لهذا التحول في أثره على الميزان غير النفطي وكفاءة النمو على المدى المتوسط، إذ يسهم الاحتفاظ بالإنفاق داخل الاقتصاد في تقليص التسرب الخارجي، وتحسين كفاءة الحساب الجاري غير النفطي، وبناء طلب محلي أكثر قدرة على دعم النمو غير النفطي بصورة مستدامة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 24 دقيقة
منذ ساعة
موقع نمـازون الإقتصادي منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
مجلة رواد الأعمال منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة