يشهد القطاع الصناعي المصري توسعًا متسارعًا عبر نموذج "التصنيع لدى الغير"، الذي لم يعد مجرد حل مؤقت للشركات الناشئة ورواد الأعمال، بل بات أداة إنتاجية تعتمد عليها علامات تجارية كبرى من القطاعين الخاص والحكومي مع ارتفاع تكاليف الاستثمار الصناعي، وطول دورة إنشاء المصانع، واتساع فجوة الطاقات الإنتاجية المعطلة بالمصانع القائمة بالفعل في قطاعات مختلفة.
وقال مسؤولون في شركات صناعية مصرية إن التوسع في نموذج التصنيع للغير أو لدى الغير يغذيه ضغوط التمويل وارتفاع أسعار الأراضي والطاقة وتغير سلوك المستثمرين، ما يستلزم إعادة قراءة دور الشركات الصناعية التقليدية، ويعيد توزيع الأدوار داخل سلاسل الإمداد، بما ينعكس على زيادة الإنتاج، والتنافسية، وفرص التشغيل، وتقليل الاستيراد، وزيادة الصادرات، في مقابل تحديات تنظيمية تواجه هذا النموذج.
"شركات بلا مصانع" هو نموذج استراتيجي تقوم فيه شركة (صاحبة العلامة التجارية) بتكليف مصنع متخصص بإنتاج سلع لها وفق مواصفات وتركيبات خاصة، ويتجاوز هذا المفهوم مجرد الإنتاج، فيسمح للشركات بالتركيز على التسويق والتطوير دون تكاليف استثمارية في المصانع، مع مرونة عالية في زيادة أو خفض الإنتاج وفق متطلبات السوق.
محفزات الانتشار
قال عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات الغذائية، ورئيس مجلس إدارة شركة مصر للمستحضرات الغذائية "ميفاد"، إن العالم تعرف على نموذج التصنيع لدى الغير للمرة الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي، وانتشر هذا النظام في مصر خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع تكلفة الاستثمار المباشر في المصانع الجديدة، على خلفية زيادة تكاليف التمويل وارتفاع أسعار الفائدة، بالإضافة إلى القفزات الكبيرة في أسعار الأراضي الصناعية وتكاليف ترفيقها، بجانب أسعار الطاقة.
أضاف أنه قبل 10 سنوات تقريبا، كانت الأوضاع مختلفة عن السائد حالياً، خاصة على مستوى سعر صرف العملة الصعبة الذي رفع تكاليف التصنيع، ويدور سعر صرف الدولار حاليًا حول مستوى 47 جنيهاً.
أشار إلى أن تضخم التكاليف ليس سببه الإجراءات في السوق المحلية فحسب، بل ارتفعت أسعار خطوط الإنتاج المستوردة أيضا من الأسواق العالمية.
خطوة أولية لبدء النشاط
قال شكري: "ليس كل من يرغب في الاستثمار يمكنه تدبير الأموال الكافية لإنشاء مصنع جديد بشكل فوري، كما أن السوق تشهد ظهور عدد كبير من المستثمرين الجدد الذين لا يرغبون في ضخ استثمارات مباشرة في البنى التحتية الصناعية وخطوط الإنتاج والرخص، بقدر ما يرغبون في تجربة أفكارهم أولًا قبل أي قرار استثماري مباشر".
وفي ظل ما يشهده عدد كبير من المصانع بالقطاعات المختلفة، من ارتفاع نسب الطاقات التشغيلية غير المستغلة، فإن هذه الفئات من المستثمرين يُفضلون نظام التصنيع لدى الغير كبداية لحين الظهور بقوة في السوق والاستحواذ على حصة جيدة تُقوي الملاءة المالية بصورة تمكن من ضخ استثمارات خاصة للتصنيع المباشر، وفق شكري.
أضاف: "في الوقت نفسه، تركز هذه الفئة من المستثمرين على تحسين المبيعات والتسويق فقط، وهو ما يمنحهم أفضلية داخل السوق، ويقلل المخاطر التي يواجهونها، حتى على مستوى البيع والتسويق، حيث يأتي الإنتاج على حسب حجم الطلب الحقيقي في السوق".
كل هذا يعني أن التصنيع لدى الغير يعد خطوة أولية أو بداية للتصنيع المباشر لاحقاً.
المعادلة بين التكاليف ومرونة التوريد
بينما يبدو أن إنشاء مصنع خاص خيارًا أقل تكلفة على المدى الطويل، باعتباره استثمارًا يُدفع مرة واحدة، يفرض واقع السوق معادلة مختلفة على كثير من العلامات التجارية.
قال مدير عمليات التصنيع في شركة "تيما -TEMA" الوكيل الحصري للعلامة التجارية التركية "إل سي واكيكي- LC WAIKIKI" في مصر، إن الاعتماد الدائم على التصنيع لدى الغير يعني الاستمرار في دفع تكلفة الخدمة للغير، لكنه في المقابل يوفر مرونة تشغيلية أعلى، وقدرة أسرع على زيادة المعروض من السلع بما يتناسب مع الطلب المتغير.
أضاف: "يأتي ذلك دون التقيد بحدود طاقة مصنع واحد أو دورة توسع طويلة، وهذه المعادلة جعلت التصنيع لدى الغير يتحول من حل مؤقت إلى خيار استراتيجي لبعض الشركات الكبرى، التي باتت تتعامل مع المصانع المُنتجة باعتبارهم شركاء أساسيين داخل سلاسل الإمداد، وليس مجرد مقدمي خدمة، لضمان استمرار تدفق المنتجات إلى السوق وتلبية الطلب المتزايد".
قال الرئيس الإقليمي لإحدى الشركات الأجنبية المتخصصة في إنتاج الملابس الجاهزة في مصر إن الشركة تعمل بالأساس في مجال مبيعات التجزئة وتتوجه مباشرة إلى المستهلك النهائي، وهو ما يدفعها إلى تفضيل الاعتماد على نظام التصنيع لدى الغير بدلًا من التصنيع بنفسها.
أضاف: "خلال السنوات الأخيرة ركزت الشركة على فهم طبيعة السوق والعميل المصري بدلًا من الدخول في التصنيع المباشر، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التوسع في مبيعات الملابس محليًا وزيادة عدد فروعها، وذلك من خلال تركيز جزء كبير من الاستثمارات على إجراء أبحاث تفصيلية لفهم ديناميكيات السوق بما يتناسب مع ذوق المستهلك وقدرته الشرائية، وبناء توجهات الشركة المستقبلية وفق ما نتوصل إليه من نتائج.
وقال رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، علي عوف، إن عدم توازن معادلة التكاليف والعرض يفرض على بعض القطاعات الصناعية، وفي مقدمتها الدواء، إعادة التفكير في نموذج التصنيع التقليدي، حيث إن عددًا من المصانع القائمة تكلفت مليارات الجنيهات خلال مراحل التأسيس، لكنها لا تعمل فعليًا سوى بنسبة تتراوح بين 5 و10% من طاقتها الإنتاجية، ما يمثل خسارة اقتصادية كبيرة، وهو ما يدفعها إلى تبني نظام التصنيع للغير كوسيلة لتشغيل خطوط الإنتاج وتحقيق عائدات أعلى".
أوضح أن التصنيع لدى الغير يعد أحد عناصر تكامل منظومة الدواء في مصر، كنظام عالمي متعارف عليه في الدول المتقدمة ويعرف باسم شركات "التول" في القطاع الدوائي، بإجمالي عدد شركات يصل إلى 2000 شركة في مصر، في مقابل نحو 180 مصنع دواء فقط، منها نحو 100 مصنع لم تستغل كامل طاقتها الإنتاجية، وهو ما يفتح الباب أمام هذا النموذج لتوفير مرونة أكبر في العرض دون تحميل السوق استثمارات جديدة مرتفعة التكلفة.
ضمان استدامة الجودة
يتطلب نظام التصنيع لدى الغير العمل من خلال خطط واضحة تمنح القدرة على ضمان استدامة المواصفات والجودة، بحسب يتم تحت إشراف صاحب المنتج وبإجراءات محددة يضمن بها استمرارية وجودة الإنتاج للقدرة على المنافسة في السوق، وفق ما قاله رئيس شركة "ميفاد"، محمد شكري.
وقال مدير العمليات بشركة "تيما"، إن شركته تتولى تدريب العمالة في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة العربية - مصر
