قرن وربع القرن تقريبًا على ميلاد يحيى حقى (1905 1988)، ذلك الوادع الوديع المسالم الهادئ، صاحب الإبداع والإنجاز والأستاذية بلا صخب ولا ضجيج، مبدع كتابة الدانتيلا، والأديب والقاص والروائى والمترجم وابن البلد والدبلوماسى الرفيع الثقافى.. خلطة مدهشة ومزيج عجيب من روافد عديدة شكّلت فى النهاية هذا الكل المركَّب، الذى جمع بين المؤتلف والمختلف بصورة لم أرها كثيرًا بين الكُتّاب والأدباء والمبدعين.
يحيى حقى، الذى يصفه المرحوم الناقد الراحل رجاء النقاش بمحبة صافية: «عرفنا يحيى حقى الذى رحل عنا سنة 1992 رجلًا مسالمًا لا يعادى ولا يخاصم، ولا يحب لنفسه أن يكون طرفًا فى أى صراعات أو معارك، كما أنه كان رجلا حريصا على استقلاله، رافضًا كل الرفض للاشتغال بالسياسة والدخول فى أمواجها الصعبة العاتية، وقد اتخذ هذا الفنان الكبير لنفسه ما يشبه الشعار لحياته كلها؛ يقول فيه: «خليها على الله»، وهو الشعار الذى جعله عنوانًا لقصص حياته أو سيرته الذاتية.
يمكنك أن تعرف أن حقى تأثر تأثرًا شديدًا بكل ما مرّ به فى حياته؛ من حيث النشأة والأحداث الصغيرة والكبيرة التى انطبعت على نفسه الشفافة وروحه النقية الحساسة؛ كان خجولًا وحييًّا وذا ذوق رفيع للغاية، وما كان لهذه الصفات أن تجتمع معًا فى شخص إنسان ما إلا إذا كان هو نفسه مركَّبًا من خلايا شديدة الحساسية ومرهفة الاستقبال؛ كانت حياة حقى سلسلة متصلة من الاستجابات الحساسة لدوافع وأسباب أنتجت لنا فى النهاية هذا الإبداع الرفيع الراقى، الذى توقف أمامه النقاد والدارسون والباحثون بكثير من الاحترام والانبهار والتقدير.
(2)
من بين نصوص كتابه «كناسة الدكان»، اخترت هذا النص البديع الذى يعبّر تماما عما قصدته من السطور السابقة؛ يعرض النص بوضوح متى وكيف بدأ اهتمام حقى بالإبداع القصصى، ونما شغفه فى تلك الدائرة؛ يقول: «أحمد الله تعالى مرارًا وتكرارًا أننى وُلدتُ فى أسرة تقتنى الكتب وتهتم بالأدب والشعر، وتهتم أيضًا بالكلمة الصحيحة فى مكانها الصحيح، وقد وجدتُ بعض أفراد أسرتنا يفتعلون المعجزات عن طريق كتابة رسائل العتاب لمجرد أنهم يريدون أن يبدعوا فى هذه الرسائل التى تأخذ شكلًا أدبيًا جميلًا، وقد كانت والدتى تقرأ وتكتب، وكنا نقرأ ديوان المتنبى وكل ما نصل إليه من كتب، وقصائد شوقى كانت تدخل بيتنا، وكثيرٌ منها كنا نحفظه».
ستكون بداية حقى مبكرة للغاية مع القلم: «وقد بدأت محاولات فى الكتابة ربما فى أواخر مرحلة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
