حين أنظر لأوضاعنا الثقافية الراهنة لا أستطيع أن أشعر بالرضا أو الراحة أو الاقتناع. ويتضاعف شعوري بالقلق وعدم الفهم حين لا أجد أحداً يتساءل، أو يعترض أو يبدي أي ملحوظة على ما يجده أو يفتقده، فكأن كل شيء على ما يرام، والسلبيات التي أراها ليست سلبيات، وعليّ في هذه الحالة أن ألجأ إلى الصمت، وأشك في صحة ما أشعر به نحو هذه الأوضاع التي أراها ولا أستطيع أن أميز فيها بين غث وسمين، فالذي يصل إليّ أو الذي أصل إليه من الإنتاج الثقافي غامض وعابر ولا يأتي من مصدر موثوق فيه، ولا يتبع مساراً واضحاً، لا يستجيب لحاجة عاجلة أو آجلة، ولا يثير من ردود الفعل ما يستدعي الحوار أو يساعد في الفهم والتفاهم.
وأنا لا أريد بالطبع أن أفرض على الإنتاج الأدبي والثقافي صورة معينة، فأنا لا أبحث عن صورة؛ بل أبحث عن مستوى. أطالب بالتنوع، وأنتظر التجديد والإضافة والنقد والمراجعة والحوار، لأن الثقافة ليست نشاط طرف واحد ساكن، وإنما هي نشاط أطراف عديدة لكل منها دوره في هذا النشاط الذي يتحرك بالضرورة، ويتطور ويتغير، يتفق ويختلف، ويتجمع ويتفرق. التراث القومي بمجموعه ومفرداته، والتراث الإنساني، والفرد والجماعة، والواقع والظروف.
هذه الأطراف المتعددة ليست ساكنة أو منفصلة بعضها عن بعض، وإنما هي متحركة تؤثر وتتأثر على النحو الذي تنتقل به كلها ونحن معها من حال لحال، فنشعر بوجودها وبما نتعرض له من تأثيراتها. وهذا ما نفتقده الآن. نفتقد الحركة التي تحمل لنا الإنتاج الثقافي وتحملنا لهذا الإنتاج الذي لا أقول إنه غير موجود، وإنما أقول إنه غير حاضر، وبالتالي غير مؤثر، أو هو مؤثر بالسلب، لأنه وإن كان موجوداً غائب مفتقد. ولأننا نعرف أنفسنا بثقافتنا القومية التي نعيش بها حاضرنا، ونتصل بماضينا، ونرسم مستقبلنا، فنحن نشعر في غيابها بالاغتراب.
***
والذي أشعر به نحو الإبداع أشعر به نحو النقد. فالنقد كما تقدمه لنا بعض الأسماء، أو كما قدمته خلال العقود الأخيرة، منفصل عن الإبداع، ومنفصل حتى عن نفسه. لا يصدر عن فكرة أصيلة، ولا يجيب عن أسئلة مطروحة، ولكنه ينقل ويترجم، ويبحث عن نفسه فيما ينقله ويترجمه فلا يجد شيئاً بالطبع؛ لا يجد النظرية، ولا يجد التطبيق الذي تخلى منذ البداية عنه.
***
وأنا الآن أعبر عن انطباعات أتعرض لها وأنا واقف على مسافة مما أتحدث عنه. مسافة لست أنا صانعها، ولست فيها راضياً أو مختاراً، وإنما أجد نفسي في مفترق هذه الطرق المتقاطعة، أو هذه الطرق التي كانت ملتقى وقد صارت مفترقاً.
ولست أشك في أن ما أبحث عنه في الإنتاج الأدبي والإنتاج الثقافي عامة موجود. وباستطاعتي أن أذكر هنا عدداً من الأسماء والأعمال التي عرفتها عن قرب، وشعرت نحوها بالتقدير والإعجاب. لكن هذه المعرفة الشخصية لا تكفيني ولا تلبي حاجتي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
