في أحد شوارع العاصمة الألمانية برلين، يبرز "سوق حلب" كمكان مختلف في شكله ومضمونه، إذ لا يكتفي بعرض منتجات شرقية، بل يقدّم تجربة متكاملة تعكس روح الأسواق الشعبية في مدينة حلب. منذ اللحظة الأولى لدخول المحل، يشعر الزائر أنه انتقل إلى فضاء شرقي نابض بالحياة، حيث التفاصيل الصغيرة تحمل ذاكرة مدينة كاملة.وتعود فكرة المشروع إلى صبا أحمد الشيخ دية، لاجئة سورية وصلت إلى ألمانيا قبل سنوات، لكنها رفضت أن تكون متلقية للمساعدة فقط، وقررت أن تصنع طريقها بنفسها. وقالت صبا لمنصة المشهد: إن حبها لأسواق حلب بدأ منذ طفولتها، موضحة: "كنت وأنا صغيرة أحب التجوّل في أسواق حلب، أتأمل المحلات وأراقب الناس وأشعر بدفء المكان، هذه الذكريات بقيت معي حتى بعد وصولي إلى ألمانيا".سوق حلبوأضافت صبا أن هذه الذكريات كانت الشرارة الأولى لفكرة "سوق حلب"، مشيرة إلى أن هدفها الأساسي كان نقل الثقافة الشرقية إلى أوروبا بطريقة حقيقية وبعيدة عن الصورة النمطية. ولفتت النظر إلى أن المشروع لم يكن مجرد محل تجاري، بل محاولة لإعادة خلق أجواء اجتماعية تشبه تلك التي نشأت فيها.بدأت صبا أولى خطواتها ببيع منتجات سورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتمدة على خبرتها وثقتها بالمنتج السوري. وأشارت إلى أن التفاعل الكبير الذي تلقته شجّعها على تطوير الفكرة، قائلة: "شعرت أن الناس متعطشة لهذا النوع من المنتجات، ليس فقط السوريين، بل الألمان أيضًا".ومع توسّع المشروع، قررت صبا خوض تجربة أكبر، لكن هذه المرة بدعم عائلتها. وقالت إن والدها وإخوتها وزوجها كانوا جزءًا أساسيًا من الحلم، مضيفة: "عملنا جميعًا كعائلة واحدة، كل شخص كان له دور، من التجهيز إلى الإدارة وحتى التفاصيل الصغيرة داخل المحل". وأكدت أن هذا التعاون العائلي أعطاها قوة إضافية للاستمرار.لم يكن تصميم المحل تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا أساسيًا في المشروع. وأوضحت صبا أن العائلة شاركت بنفسها في تصميم الديكور الداخلي، مستوحين الطراز الحلبي التقليدي، من الأقواس والزخارف الشرقية إلى طريقة ترتيب البضائع. كما أشارت إلى تخصيص مساحة داخل المحل لتقديم الفطور السوري، حيث يمكن للزبائن الجلوس وتذوق أطباق تقليدية في أجواء تشبه بيوت حلب القديمة، مؤكدة أن هذا الركن لاقى إعجابًا خاصًا من الزوار.ويقدّم "سوق حلب" تشكيلة واسعة من المنتجات السورية، تشمل المواد الغذائية، التوابل، الحلويات، الأنسجة، الأقمشة، الموازينك، ومنتجات أخرى تعبّر عن تفاصيل الحياة اليومية في الشرق. ولفتت صبا إلى أن الإقبال لم يقتصر على أبناء الجالية العربية، بل شمل شريحة واسعة من الألمان الذين أبدوا فضولًا واهتمامًا بالتعرّف على الثقافة السورية.وفي حديثها لمنصة "المشهد" عن رسالتها، قالت صبا إن "سوق حلب" يمثّل بالنسبة لها أكثر من مشروع اقتصادي، مشيرة إلى أنه مساحة للحوار الثقافي. وأضافت: "أردت أن أُظهر أن اللاجئ قادر على العمل والنجاح، وأن الثقافة السورية غنية وجميلة وتستحق أن تُعرَف".اليوم، أصبح "سوق حلب" علامة مميزة في برلين، وقصة نجاح عائلية تحمل في طياتها حنينًا للماضي، وإصرارًا على الحاضر، ونظرة أمل نحو المستقبل، حيث تتحول الذكريات إلى مشروع حيّ يجمع بين الشرق والغرب في مكان واحد.(المشهد )۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
