ما لم يكن يعلمه أنيس فريحة أنه حين نشر دراسته في مجلة «الأبحاث» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1950، كان يجري العمل على ترجمة كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» إلى الإنجليزية - علي العميم #رأي_الشرق_الأوسط

كنتُ قد ذكرتُ أنَّ سيد قطب في آخر سطر من كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، كان لديه نتفة بسيطة عن مفهوم الكتلة الإسلامية الذي دعا إليه سياسيو دولةِ باكستان منذ استقلالها عام 1947. وبعد عودته من بعثته التدريبية في أميركا في 23 أغسطس (آب) 1950، عرف عنه أكثر من خلال شرح وزراء باكستانيين له، فطفق يدعو له مرة أخرى بحماسة سياسية وآيديولوجية في مقالات كتبها ما بين عامَي 1951 و1952، ونشر بعضها في كتابه «السلام العالمي والإسلام» الصادر عام 1951. الدعوة إلى كتلة إسلامية هي دعوة متجددة لدعوة أقدم منها، وهي الدعوة إلى الجامعة الإسلامية إبَّان انحلال الإمبراطورية العثمانية وتفككها، لكنها نشأت لسبب مختلف، وهو رغبة باكستان في حشد العالم الإسلامي معها في مواجهة الهند. وكانت من الشبهات التي تثار حولها أنَّها تحظى بمباركة بريطانية.

وقد رد سيد قطب في أحد مقالاته مقالات الكتلة الإسلامية على هذه الشبهة، فقال: «إن الجامعة العربية حركة قومية عنصرية بعيدة عن الروح والضمير، وحركة الجامعة الإسلامية حركة عقيدة وبعث روحي شامل. فإذا جاز لعملاء الاستعمار أن يوجهوا الجامعة العربية أو يعرقلوها، فإن الجامعة الإسلامية تستعصي على التوجيه»!

وكان شودري خليق الزمان رئيس الرابطة الإسلامية في باكستان في محفل بالقاهرة ضم باكستانيين ومصريين، قبله بعامين ونصف العام، ضمن كلمة ألقاها، طالب بإلغاء الجامعة العربية!

تدقيقي في قول أنيس فريحة: «وسيد قطب يقول للعالم العربي»، يفضي بي إلى تدقيق ثالث، وهو اعتباره كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب ممثلاً للفكر العربي في تخبطه. وكان يعني بالفكر العربي، الفكر العربي المعاصر وليس الفكر العربي من سالف أزمانه، بدليل أنه قبل المقتبس الذي أوردته في المقال السابق قد قال: «ولكن يهمني أن أشير إلى قضية الفكر العربي وتخبطه وسط هذه التيارات الحديثة الجارفة».

إن هذا الكتاب يصلح أن يكون مثالاً للفكر الإسلامي المعاصر، وليس للفكر العربي المعاصر.

إن الفكر العربي المعاصر يصح تسميةً أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي التي يغلب عليها الميسم الناسوتي، والفكر الإسلامي المعاصر يصح تسميةً أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي أو في العالم الإسلامي التي يغلب عليها الميسم اللّاهوتي.

وأما كتاب «من هنا نبدأ» فيصلح أن يدرج في هاتين التسميتين: الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر العربي المعاصر؛ لأنه اجتمع فيه الميسم اللّاهوتي والميسم الناسوتي.

أمران حيّراني في نقد أنيس فريحة الإجمالي لكتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، ولكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب:

أولهما، حين رأى أن هذين الكتابين هما أفضل تمثيل على تخبط الفكر العربي، وصف رأيه بـ«الوضيع»!

إن في هذا الوصف إسراف عالم بالتواضع إلى حد الضعة والهوان. وهذا تواضع نافر ومستهجن. وكأني به في هذا المقام يستعير عبارات التواضع الديني التي يستعملها مؤلفون قدامى، ومؤلفون على الطراز القديم، كـ«الحقير» و«الفقير» وما شابههما، لكنهم كانوا حقراء وفقراء إلى عفو ربهم. وأنيس فريحة بمناسبة نقده للفكر العربي المعاصر أو للفكر الإسلامي المعاصر لم يكن بحاجة إلى عفوهما، وإلى التهوين من شأن رأيه فيهما.

ثانيهما، أنه حين وصف الفكر العربي المعاصر بالتخبط، كتب هامشاً استدراكياً، قال فيه: «قد يكون في هذا التخبط دلائل حيوية ونشاط، وهذا أمر لا ننكره»!

إنه بصيغة أخرى هوّن بهذا الهامش الاستدراكي مرة ثانية من شأن رأيه في الفكر العربي المعاصر، بما لا يتناسب مع نقده الإجمالي ذي الطابع الوثوقي للكتابين.

إن نقده الإجمالي للكتابين يتأرجح بين منطق قطعي وثبوتي، ومنطق ظني واحتمالي. وهذا التأرجح بين هذين المنطقين يعبر عن تردد وارتباك.

والتردد والارتباك تجلّى في خاتمة نقده الإجمالي للكتابين، التي قال فيها: «وغداً ومستعد أن أراهن إذا تُرجم الكتابان، أو روجعا، بشكل يضعهما أمام أعين الغرب، سيشير الغرب إلى كتاب سيد قطب ويقول: هؤلاء هم العرب يسيرون إلى الوراء!».

وقد أغفل بماذا سيشير الغرب إلى كتاب خالد محمد خالد. لا نعرف ماذا سيقول الغرب عنه؛ وذلك لأنه ضرب عن ذكره صفحاً، وطوى عنه كشحاً!

في التقديم الإجمالي لنقده للكتابين، كان أنيس فريحة قد قال عن الغرب: «والظاهر أنهم لا يحفلون كثيراً بما ندعيه من (إحياء) و(إشعاع) و(تقدم)، وغير ذلك من الألفاظ التي لا تخدعهم، فهم وهذا مما يؤسف له يرون مظاهر التأخر، ويغضون البصر عن مظاهر التجدد. فالرجعية والأمية، وباقي الأوضاع الشاذة في حقول الاقتصاد والسياسة، ماثلة للعيان، ويعرفون دخيلة العرب أحسن مما نعرفها نحن. ويزعم كثيرون منا أن هذه الأوضاع قائمة بفضل اتحاد المصالح الأجنبية مع الرجعية الوطنية».

لا جرم أن كتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد يحفل بما يدعيه الفكر العربي المعاصر لنفسه من صفات «الإشعاع» و«التقدمية» و«التجدد»، فلماذا افترض أن الغرب سيترجم هذا الكتاب أو سيراجعه، مع أن الغرب كما قال يغض البصر عن مظاهر التجدد في واقع العالم العربي، وينظر بمجامع عينه إلى مظاهر الرجعية فيه؟!

فالكتاب لا يدعو المصريين إلى الرجعية أو السير إلى الوراء. الكتاب لا يدعوهم هذه الدعوة بشهادة أنيس فريحة نفسه الذي قدّم الكتاب في نقده الإجمالي بأنه «يطلب قلب الأوضاع رأساً على عقب، والبدء من جديد. والجديد عنده اشتراكية خيّرة نيّرة تكفل الخير والعدل، وتأخذ بأي نظام من شأنه رفع الإنسان خلقاً وديناً ومادة».

الكتاب لقي احتفاء وحفاوة من قبل العلمانيين بمختلف تياراتهم، وعلى رأسهم التيار الماركسي في العالم العربي. وأنيس فريحة علماني.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الشرق الأوسط

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
بي بي سي عربي منذ 9 ساعات
قناة العربية منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 8 ساعات
قناة العربية منذ 15 ساعة