قد يبدو الهيليوم مجرد غاز يرافق البالونات، لكن خلف هذه الصورة الخفيفة أزمة ثقيلة تتشكل بهدوء، فالعالم يعتمد على الهيليوم في تطبيقات لا بديل لها، من أجهزة الرنين المغناطيسي في المستشفيات إلى مختبرات الأبحاث المتقدمة وصناعة الفضاء. ومع تكرار اضطرابات الإمدادات خلال السنوات الماضية، عاد السؤال إلى الواجهة وهو هل نحن بالفعل أمام نقص دائم في الهيليوم؟
لماذا الهيليوم مختلف؟ الهيليوم ليس كغيره من الغازات الصناعية، لا يمكن تصنيعه في المختبر، ولا إنتاجه بسرعة استجابة للطلب.
هذا العنصر يتكوّن طبيعياً عبر عمليات جيولوجية تمتد ملايين السنين، ثم يُحتجز في مكامن تحت الأرض غالباً ما تكون مصاحبة للغاز الطبيعي، لذلك، فإن أي خلل في الاستخراج أو الاستثمار ينعكس فوراً على الأسواق العالمية.
بلغ إنتاج الهيليوم العالمي نحو 170 مليون متر مكعب في 2023، مع نمو سنوي نحو 8%، وتوزّع الإنتاج بين الولايات المتحدة (نحو 38%)، وقطر (21%)، والجزائر (11%)، وروسيا (7%)، وأستراليا (5%)، بناءاً على رير دوت أورغ Rare.org.
تُقدَّر الموارد العالمية للهيليوم بنحو 51.9 مليار متر مكعب، موزعة بشكل غير متساوٍ بين الولايات المتحدة (نحو 20.6 مليار متر مربع)، وقطر (10.1 مليار متر مربع)، والجزائر (8.2 مليار متر مربع)، وروسيا (6.8 مليار متر مربع)، ما يشكل نحو 88% من الموارد المعروفة، بناءاً على ليتل سكوير كابيتال.
في عام 2024، كان الطلب على الهيليوم نحو 6.0 مليار قدم مكعبة (Bcf)، بينما وصل الإمداد إلى نحو 6.5 مليار قدم مكعبة، ما يشير إلى حالة من وفرة مؤقتة نسبياً بعد سنوات من نقص متكرر، مع بقاء الاعتماد على الإنتاج الأساسي حساساً لأي اضطرابات في التوريد، بناءاً على غاز ورلد.
تُظهر توقعات تحليل السوق العالمية أن حجم سوق الهيليوم قد يصل إلى نحو 6.26 مليار قدم مكعبة بحلول 2025، مع توقع نمو سنوي مركّب خلال السنوات القادمة، ما يعكس ارتفاع الطلب خصوصاً في قطاعات الأجهزة الطبية، والصناعات التقنية، بناءاً على فورشن بيزينس إنسايتس.
اكتشافات جديدة.. أمل محدود حتى الآن خلال الفترة الأخيرة، ظهرت مشروعات جديدة للهيليوم في تنزانيا وكندا وجنوب إفريقيا، ما أعاد بعض التفاؤل إلى السوق، غير أن هذه المشروعات لا تزال في مراحل التطوير الأولى، ولم تدخل الإنتاج التجاري واسع النطاق بعد. وبحسب خبراء، فإن تأثيرها على التوازن العالمي سيظل محدوداً على المدى القصير، خاصة مع تسارع الطلب في قطاعات التكنولوجيا والطب والفضاء.
إعادة التدوير.. رهان الاستدامة في مواجهة القيود الطبيعية، يتجه العلماء إلى حلول أكثر واقعية، أبرزها إعادة تدوير الهيليوم. أنظمة متطورة باتت تُستخدم في المستشفيات والمختبرات لالتقاط الهيليوم المستخدم وإعادة تنقيته، بدلاً من فقدانه في الهواء. هذه التقنيات لا تزيد المعروض، لكنها تطيل عمر المخزونات الحالية وتخفف من الهدر في أكثر القطاعات استهلاكاً.
بدائل تقنية تقلّل الاعتماد في موازاة ذلك، يعمل الباحثون على تطوير وسائل تبريد بديلة، مثل المبرّدات فائقة البرودة والمواد فائقة التوصيل التي تحتاج إلى كميات أقل من الهيليوم، هذه الابتكارات لا تلغي الحاجة إليه، لكنها تخفف الضغط على الطلب، خصوصاً في الاستخدامات الصناعية والعلمية. الفضاء يضيف ضغطاً جديداً مع توسع أنشطة السفر الفضائي الخاص، يعود الهيليوم إلى الواجهة بوصفه عنصراً أساسياً في إطلاق الصواريخ وتشغيل بعض الأنظمة، هذا الاستخدام عالي القيمة يعزز الطابع الاستراتيجي للهيليوم، ويجعل مسألة تأمينه قضية تتجاوز الأسواق لتصل إلى اعتبارات الأمن التكنولوجي. هل يجب تقييد استخدامه؟ وسط هذه المعطيات، تتصاعد أصوات تطالب بإعادة ترتيب أولويات استخدام الهيليوم، بحيث يُخصص للتطبيقات الطبية والعلمية الحيوية، بدلاً من الاستخدامات الترفيهية مثل البالونات. الفكرة ليست منع الاستهلاك، بل توجيهه نحو المجالات التي لا تمتلك بديلاً عملياً. ما الذي يمكن فعله الآن؟ الحل لا يكمن في خيار واحد، بل في مزيج من السياسات، الاستثمار في إعادة التدوير، وتسريع تطوير البدائل التقنية، وتحسين كفاءة الاستخراج، جميعها خطوات ضرورية للحفاظ على هذا المورد النادر، فبدون إدارة واعية، قد يجد العالم نفسه أمام نقص حاد في عنصر لا يمكن تعويضه. العالم لن ينفد منه الهيليوم غداً، لكنه يقترب من نقطة حرجة إن استمر التعامل معه كغاز عادي. الهيليوم مورد محدود بطبيعته، وأي تأخير في حمايته سيجعل تكلفته الاقتصادية والعلمية أعلى بكثير في المستقبل.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
