ما أجمل العيش.. على فوّهة بركان

قد يكون "الخطأ الرياضي الأروع" في مسيرة رئيس نادي برشلونة الإسباني، خوان لابورتا.جاء بالمدرب الألماني هانسي فليك، مطلع الموسم الماضي، في محاولة منه لفرض انضباط ضائع عن فريق كرة القدم، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أخطأ الرئيس. لم تأتِ حسابات البيدر مطابقة لحسابات الحقل، بل تجاوزتها: "فليك لا يكتفي بمهمة محدودة من أجلها جيء به، بل يستغل، من اللحظة الأولى، كل ما توافر بين يديه، على محدوديته، كي يرفع لاعبين مغلوب على أمرهم ومحكوم عليهم بالفشل، إلى مستوى التحديات. وأيُّ تحديات وهو يواجه خصماً محلياً عنيداً من قماشة ريال مدريد ضمّ لتوّه أفضل مهاجم في العالم، الفرنسي كيليان مبابي؟".ما هي إلا أيام حتى ظهر الرجل ابن الـ61 عاماً (في فبراير المقبل) وكأنه يحمل جينات برشلونة. زرعها فوراً في ما توافر أمامه من لاعبين مُطالب معظمهم بالرحيل لعدم الثقة. ما تبع ذلك دخل كتب التاريخ.أزمات بالجملةلم تكن الأرض مفروشة بالورود عندما وصل فليك إلى بيئة لا يعرف عنها الكثير. مكان يحمل عن المدرب الألماني ذكرى سيئة تتمثل في قيادته بايرن ميونيخ الألماني للفوز على الـ"بلاوغرانا" 2-8 في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا 2020.

كيف لشخص مكتمل العقل والأدراك أن يوافق على قيادة جهاز فني لفريق يعاني أزمات بالجملة، مادية خصوصاً؟ كيف العمل في بيئة تطالبه بما بدا أنه لا يملك أساساً، بغض النظر عن رؤية لابورتا؟

قيل بأن تواجد فليك سيقتصر على فترة أشبه بالـ"انتقالية" لضبط إيقاع وفرض استقرار داخل فريق مكسور الجناح ورثه عن "ابن النادي" تشافي هرنانديز الذي رحل يجرّ ذيول الخيبة.

لم تكن بداية إيجابية، بل أكثر من ذلك. كانت عودة إلى الماضي المجيد. "تيكي تاكا" بأسلوب أكثر انضباطية. لياقة بدنية لا تُضاهى. رغبة استثنائية. هوية "مبدئية" ثابتة. الأهم من كل ذلك عودة الابتسامة إلى كل من يرتبط ببرشلونة وأرضُ ملعب ترجم كل ذلك بثلاثة ألقاب محلية من ثلاثة ممكنة في الموسم الأول: كأس السوبر، كأس الملك، والدوري، بالتوازي مع خروج غير مستحق من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.

اكتسبت الانتصارات المحلية أهمية مضاعفة، إذ جاءت كلها على حساب الغريم ريال مدريد المتوّج في الموسم الذي سبق بطلاً للدوري المحلي ودوري الأبطال.

خُيّل أن إنجازات برشلونة تستمد هويتها من "لا ماسيا" رغم أن قدم الألماني لم تطأ يوماً الأكاديمية التي خرّجت مئات اللاعبين ممن يحملون "الحمض النووي" للنادي العريق.

لم يعد السؤال المطروح بعدها محصوراً بـ"مِن أين لك هذا يا فليك؟"، بل امتد إلى التساؤل عمّا كان بمقدور المدرب أن ينجز لو توافر دعم مالي.مدرسة فليكتعتمد "مدرسة فليك" على الضغط الفعال، أهمية التحولات، تعدد استخدامات اللاعبين والإعداد البدني الصارم. أسلحة أثبتت جدواها مع بايرن ميونيخ حيث حقق "السداسية التاريخية".

من خلال الجمع بين المرونة والاستحواذ المستهدف، يحافظ الألماني على إرث برشلونة في السيطرة على الكرة، لكن بهدف راسخ: خلق فرص هجومية واضحة. يضيف هذا النهج لمسة عصرية إلى الـ"تيكي تاكا" ويجعلها أكثر سرعة ودقة.

هكذا بدا الألماني كمن جاء ليعيد إلى برشلونة، لا الألقاب، بل تلك القناعة بوجود "واقع جميل" في كاتالونيا، يغيب ربما، لكنه لا يموت.

ما رسخ هذا الواقع هو حديث الكثيرين، في الموسم الراهن، عن قلق وحيد تمثّل في اللعب بخط دفاع متقدم للغاية. ركز الخصوم على هذا الجانب منذ البداية. نجح كثيرون في استغلاله لدك شباك برشلونة بأهداف بالجملة والمفرق. قيل بأن فليك انكشف. الألماني أصرّ على عدم التغيير. هو تلاقي مسارين متشابهين في نادٍ واحد بين مدرب ونهج. هي قناعات. بدا فليك وكأنه يجبر برشلونة على العودة إلى "الأصل". جاء ليعطيه، لا ليأخذ منه، حتى بات، من دون سابق تخطيط، من "أهل البيت الكاتالوني".

أصاب الألماني في عناده حتى اليوم. رجاله يتصدرون الدوري المحلي، وها هم ينتزعون كأس السوبر المحلية للمرة الثانية في عهده، الأحد، في جدة (السعودية)، أيضاً على حساب ريال مدريد الذي بات "الضحية الرسمية لفليك" بعدما حقق على حسابه لقباً رابعاً في إسبانيا. عامل الثقةلم يكتفِ فليك بإحياء الفريق المتهالك بل أعاد عدداً من اللاعبين إلى الحياة. ها هو البولندي روبرت ليفاندوفسكي وهذا البرازيلي رافينيا. الأول استعاد كامل قدرته على إنهاء الهجمات في سن الـ37 بعدما بدا محكوماً عليه بالفشل قبل وصول الألماني. أما الثاني، فكان بين الأسماء المرشحة للتتويج بـ"الكرة الذهبية" في يوم ما بعدما كان لاعباً غير مرغوب به في "كامب نو". عانى من الإصابة وابتعد، لكنه عاد في الوقت المناسب ليقود الفريق إلى الفوز العزيز على "ريال" 2-3، الأحد، وينتزع جائزة أفضل لاعب.

وتأكيداً على الدور المفصلي لفليك، تصريح رافينيا بعيد النهائي: "لو لم يأتِ هانسي، لكنت غادرت برشلونة. غيّر كل شيء"، وتابع: "قال لي إنني سأكون لاعباً مهماً. هذا ما يحتاجه أي لاعب: الثقة".

في سياق آخر، قال الألماني: "عندما تخوض مباراة نهائية، خصوصاً الكلاسيكو، يكون الفوز شعوراً رائعاً. أنا فخور جداً بالأداء".

يعكس هذا التصريح حقيقة أن فليك كسب رهان عناده والتمسك بفلسفته وعدم الاستماع إلى من طالبه بالتغيير.

يَذكر في مكان آخر أنه "رأيت اللاعبين يرقصون في غرفة الملابس. أعتقد أننا كنا رائعين طوال المباراة، لعبنا بأسلوبنا المعهود. لم يكن الأمر سهلاً، لكننا قاتلنا كفريق واحد. هذا هو الأهم".

في هذا الجزء من الإجابة، أعاد التذكير بالأسلوب. الإضافة أنه ثمّن أداء اللاعبين من خلال القول "قاتلنا كفريق واحد".

وعندما سئل عن رسالة يود توجيهها إلى اللاعبين، أجاب: "سَجِّل هدفاً واحداً أكثر من الخصم... الأمر لا يتعلق بي، بل باللاعبين. إنها عقلية وثقة بنسبة 100 في المئة".

هنا أيضاً ردّ على منتقدي أساليبه التكتيكية: "سَجِّل هدفاً واحداً أكثر من الخصم". هنا يشير مباشرة إلى أنه لن يتخلى عن "الدفاع المتقدم" وبأن استقباله الأهداف لا يهم طالما أن لاعبيه ينجحون، في معظم الأحيان، في التعويض. هكذا تُبنى المدارس الرياضية خصوصاً عندما تُفرز انتصارات تؤكد جدواها.بطولة مجمّعةفي مقابل أيِّ منتصر، ثمة خاسر. والخاسر الوحيد هنا هو دائماً ريال مدريد الذي يتخبط نتائجاً بقيادة مدربه الجديد، تشابي ألونسو.

لا يعيش نادي العاصمة وبرشلونة، حالياً، تلك الحالة المثالية التي كانا يقتسمانها قبل سنوات.

تقابل الغريمان مجدداً في نهائي كأس السوبر في ظل أجواء تغيرت فيها العلاقة وأصبح القطبان في أماكن مختلفة، والسبب "قضية نيغريرا" التي تلقي بظلالها على كل شيء وأثبتت أنها حاسمة في تقويض الحوار والتفاهم وأي أهداف مشتركة. كل نادٍ يُفكر الآن في مصلحته الخاصة. واقعٌ تجلى بوضوح في محاكم برشلونة حيث يطالب مسؤولو ريال مدريد بالعدالة في ما يتعلق بـ"مبالغ كاتالونية" دُفعت للنائب السابق لرئيس لجنة الحكام.

الـ"ميرينغي" بات يعلم، تمام العلم، بأن فليك لا يخسر المباريات النهائية، بدليل فوزه بثمانٍ منها من أصل ثمانٍ، في مسيرته التدريبية، منذ أيامه في بايرن ميونيخ.

والأصعب أن التاريخ واضح لا يكذب: الفائز بكأس السوبر الإسبانية في السعودية هو من يتوّج بلقب الدوري لاحقاً.

بين فليك وألونسو، ثمة من يدرك تماماً قيمة ما هو مقبل عليه وثمة من لا يمتلك "جودة التخطيط"، مع العلم أن ألونسو لعب في "مدريد" ويعرف النادي جيداً.

بعيد تتويج بايرن ميونيخ بلقب دوري الأبطال 2020 في البطولة المجمعة استثنائياً في العاصمة البرتغالية، لشبونة، بسبب جائحة "كورونا"، أعيد الفضل إلى فليك الذي تولى المسؤولية في موسم بدأه "العملاق البافاري" بشكل سيئ. طاف سؤال إلى السطح في حينها: من أين لفليك كل هذا في موسمه الأول مدرباً على أعلى مستوى؟ بعد بحث وتدقيق، تبين بأن الرجل يُبدع في البطولات المجمعة، وأعاد البعض له الفضل في تتويج منتخب بلاده بكأس العالم 2014 عندما كان مساعداً للمدرب يواكيم لوف.

يبدو بأن فليك نقل "فكرة البطولة المجمعة" التي تقرّب اللاعبين من بعضهم البعض وتمرر فكر المدرب بصورة سلسة، إلى النادي، إلى درجة تُشعر المتابع بأن المجموعة تعيش تحت سقف واحد. حتى الإنكليزي ماركوس راشفورد الذي كان تائهاً قبل انتقاله معاراً إلى "كامب نو"، بدا جزءاً من منظومة. كأنه خريج "لا ماسيا"، إن لم يكن في أسلوبه، فبعقليته. أعاد اكتشاف نفسه.

وجّه المدرب الألماني، قبل فترة، رسالة إلى جماهير برشلونة حول مستقبله وعقده قال فيها: "أستمتع بوقتي حقاً. الجهاز الفني واللاعبون والجميع، الكل رائع. الأجواء هنا جميلة، كأننا في عائلة. أعيش في برشلونة، ولديّ طاقة وأفكار لمواصلة تطوير الفريق".

تصريح يعكس واقع الحال في النادي الذي كان الأرجنتيني ليونيل ميسي الرمز المشع الأول فيه في فترة من الفترات التاريخية لبرشلونة. طغى حتى على "ربّان الحقبة"، المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا.

اليوم، تبدل الحال: فليك هو النجم الأول. لامين يامال؟ ربما يأتي بعده.

في مواجهة ريال مدريد، وأمام تحديات "اسم برشلونة" ومطالبات جماهيره والوضع المالي الصعب، يبدو فليك كمن يتبختر في مشيته على فوّهة بركان. وعِوض تقليل الحمولة لضمان التوازن في المسير، آثر تحميل نفسه ألقاباً وازنة كي يأتي السقوط، هذا إن أتي، مثقلاً بإرثٍ قد يُبنى عليه في بيئة باتت تتأقلم على أسلوبه بعدما ظن كثيرون بأن التأقلم سيكون العائق الأساسي في مسيرة من تجاوز غوارديولا حضوراً، وقد يتجاوزه أهمية.۔


هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة المشهد

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 20 ساعة
قناة يورونيوز منذ 14 ساعة
قناة العربية منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 10 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 12 ساعة
قناة العربية منذ 9 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 4 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 22 ساعة