هل وصلت الأزمة الاقتصادية في إيران إلى نقطة اللاعودة؟

مصدر الصورة: Getty Images

بعد بضعة أشهر من سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين كرهائن. كانت تلك لحظة مفصلية سمّمت العلاقة بين إيران والغرب لعقود، ومهّدت لمسار طويل من العقوبات، سيترك أثراً عميقاً على اقتصاد بلد يملك واحدة من أكبر ثروات الطاقة في العالم.

اليوم، وبعد نحو 47 عاماً على تلك الحادثة، يعيش الاقتصاد الإيراني أزمة خانقة: عملة شبه منهارة، تضخم مرتفع ومزمن، وضغوط معيشية تتسع لتطاول شرائح كانت تعد تاريخيا عماد الاستقرار الاجتماعي، وعلى رأسها الطبقة الوسطى.

ورغم أن الاقتصاد الإيراني حقق معدلات نمو معتدلة في عام 2024، مدفوعاً بارتفاع إنتاج النفط إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً، وبمناخ من التفاؤل الحذر بإمكانية إعادة إحياء الاتفاق النووي، إلا أنه عاد إلى الانكماش مجدداً بواقع 1.7 بالمئة في عام 2025 بحسب تقديرات البنك الدولي الذي توقع انكماشا أعمق خلال العام الحالي.

جاء هذا التراجع في سياق تطورات مفصلية شهدها عام 2025، من بينها اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران استمرت 12 يوماً، ومشاركة الولايات المتحدة في ضرب منشآت نووية إيرانية، إضافة إلى عودة العقوبات الأممية المفروضة على طهران.

ويقول مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، إن المواجهة كسرت "عتبة نفسية" لطالما قامت على الاعتقاد بأن إيران، رغم أزماتها الاقتصادية، تبقى بلداً آمناً نسبياً.

ويضيف واعظ أن هذا التحول أثر سلباً على رواد الأعمال والمستثمرين، وعلى قرارات التخطيط للمستقبل داخل البلاد. كما يشير إلى أن انهيار المسار الدبلوماسي المرتبط بالملف النووي، وتعثر فرص التوصل إلى اتفاق، عمّقا حالة عدم اليقين، ما زاد من حدة الأزمة الاقتصادية في إيران وساهم في تفجر الوضع في البلاد.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، سجل الريال الإيراني تراجعاً تاريخياً مقابل الدولار، إذ وصل سعر صرف العملة المحلية إلى نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار في السوق الموازية.

هذا التدهور الحاد في قيمة العملة أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في مدن إيرانية متعددة، عكست غضباً متزايداً من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وحملت في طياتها تحدياً مباشراً للنخبة الحاكمة، ما يضع إيران أمام مفترق طرق حقيقي.

إيران والنفط كانت إيران من بين أوائل دول المنطقة التي اكتشفت فيها ثروة نفطية مطلع القرن العشرين، لتصبح مع الوقت صاحبة ثالث أكبر احتياطي مؤكد من النفط في العالم.

عام 1909 تأسست شركة النفط الأنجلو-فارسية بامتيازات واسعة للتنقيب والإنتاج، ثم استحوذت الحكومة البريطانية بعد سنوات على حصة أغلبية فيها، ما منح لندن نفوذاً مباشراً على النفط الإيراني.

ومع قرار ونستون تشرشل، الذي كان يشغل منصب وزير البحرية البريطانية قبيل الحرب العالمية الأولى، تحويل اعتماد أسطول البحرية البريطانية إلى النفط بدلاً من الفحم، تحوّل نفط إيران إلى مورد استراتيجي وربط اقتصادها مبكراً بالأسواق الغربية وبحسابات الجيوسياسة.

خلال العقود التالية ظل النفط محورياً، لكنه لم يترجم إلى تحول صناعي شامل، إذ تسرب جزء كبير من العائدات إلى الخارج وبقيت البنية الاقتصادية تميل إلى الزراعة التقليدية مع نمو محدود للصناعة التحويلية.

بلغ هذا التناقض ذروته مطلع خمسينات القرن الماضي مع تأميم النفط بقيادة محمد مصدق، قبل أن تنتهي التجربة بالإطاحة به عام 1953 وعودة الشاه، في محطة رسخت التحالف مع الغرب وأعادت تركيز القرار الاقتصادي والسياسي في يد النظام الملكي.

ومع ارتفاع أسعار النفط في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهد الاقتصاد الإيراني معدلات نمو قوية. توسعت المدن، واستثمرت الدولة في البنية التحتية والتعليم والصناعة. وأسهمت إصلاحات الشاه، ولا سيما "الثورة البيضاء"، في تحسين أوضاع شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى ورفع مستويات التعليم والخدمات.

غير أن هذا النمو السريع كان غير متوازن، إذ تركزت الثروة بشكل كبير في أيدي النخب وفي المراكز الحضرية الكبرى، ما ولّد شعوراً بالتهميش لدى فئات عديدة، ولا سيما في الأرياف والأطراف الحضرية. ومع غياب المشاركة السياسية واستمرار القمع، تراجعت شرعية نظام الشاه مع نهاية السبعينات، ما مهّد الطريق لانفجار الغضب الشعبي الذي أفضى إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

نموذج اقتصادي جديد بعد إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، تبلور في البلاد نموذج اقتصادي جديد. فقد اتجهت السلطة الجديدة إلى توسيع دور الدولة عبر التأميم وضبط الأسعار وتقديم دعم واسع للسلع الأساسية، في محاولة لحماية الفئات الأفقر وترسيخ شرعية النظام الوليد.

لكن هذا المسار الاقتصادي تشكّل منذ بداياته في بيئة سياسية شديدة التوتر وفي ظل عقوبات ما فتئت تتوسع.

تقول المستشارة السابقة في البنك الدولي، نادرة شاملو، إن إيران تعد من بين أكثر الدول تعرضاً للعقوبات في العالم، سواء من حيث شدة العقوبات أو أمدها الزمني. وتضيف أن الإيرانيين "طوّروا قدرة على التكيف مع اقتصاد العقوبات"، لكن هذه العقوبات، بحسبها، "أثرت في كل قطاعات الاقتصاد وكل تفاصيل الحياة اليومية".

فخلال الأشهر الأولى من عمر النظام الجديد، ومع فشل السلطات الإيرانية في إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، جمّدت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أصولاً إيرانية قدّرت بين 9-12 مليار دولار، في وقت كان الناتج المحلي الإجمالي لإيران يقدر بنحو 90 مليار دولار. كما قطعت العلاقات التجارية مع طهران، بما في ذلك واردات النفط الإيراني.

وتقول شاملو إن هذه الخطوة شكّلت ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني. وتوضح أن "إيران كانت قبل الثورة اقتصاداً منفتحاً نسبياً على التجارة العالمية، لذا عندما قطع الشريك التجاري الأكبر في العالم علاقاته معها بشكل شبه كامل، كان الأثر فورياً وعميقاً."

لكن العقوبات لم تكن التحدي الوحيد الذي واجه الاقتصاد الإيراني في سنواته الأولى. فبعد أقل من عام على أزمة الرهائن، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980، لتدخل البلاد في صراع عسكري واسع استمر ثماني سنوات، وكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة.

فقد تراجعت الصادرات النفطية، وتقلصت الإيرادات الحكومية، في وقت ارتفعت النفقات العسكرية بشكل كبير. كما تضررت أجزاء من البنية التحتية، ولا سيما في المناطق الحدودية والمنتجة للنفط.

خلال الحرب، اضطرت الدولة إلى توجيه مواردها لتمويل الجهد العسكري على حساب الاستثمار والتنمية، في ظل محدودية التمويل الخارجي والتكنولوجيا، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع التضخم ونقص بعض السلع الأساسية.

ومع نهاية الحرب عام 1988، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة إعادة إعمار قادها الرئيس آنذاك هاشمي رفسنجاني، ركزت على إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية وتحريك الاستثمار، خصوصاً في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى تحسن نسبي في الأداء الاقتصادي خلال النصف الأول من التسعينيات، مع تسجيل معدلات نمو بين 4-6 بالمئة، وارتفاع مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 14-15 بالمئة في أواخر الثمانينيات، إلى حوالي 18-20 بالمئة بحلول منتصف التسعينيات.

"خاتم الأنبياء" شهدت سنوات الحرب توسعاً في حجم ودور الحرس الثوري الإيراني. ومع نهاية القتال بدأ هذا الحضور يتخذ شكلاً اقتصادياً أكثر وضوحاً عبر المشاركة في تنفيذ مشاريع كبرى اعتبرت أساسية لمرحلة إعادة البناء.

فعلى سبيل المثال، لعبت مؤسسة "خاتم الأنبياء للإنشاءات"، التي تعد الذراع التنفيذي للحرس الثوري، دوراً بارزاً في مشاريع البنية التحتية، ونشطت في مجالات مثل بناء الطرق والسدود والأنفاق ومشاريع الطاقة والنفط والغاز. وقد مكّنها حجمها وقدراتها التنظيمية من لعب دور متزايد في تنفيذ المشاريع الثقيلة، في وقت كانت فيه الدولة تبحث عن أدوات سريعة لإعادة الإعمار.

غير أن توسع هذه الكيانات كان محل نقاش، إذ يشير منتقدون إلى أن اعتماد الدولة عليها في عقود حكومية كبيرة، في كثير من الأحيان عبر الإسناد المباشر، زاحم القطاع الخاص وحدّ من نموه، في ظل عدم خضوع هذه المؤسسات دائماً قواعد المنافسة والشفافية نفسها والضرائب التي تحكم الشركات الخاصة، واتهامات طالتها بالفساد.

عكست هذه المرحلة أثراً أعمق لتجربة الحرب على خيارات الدولة الاقتصادية. فالقيود التي واجهتها إيران في الحصول على السلاح والتكنولوجيا العسكرية خلال الحرب عززت التوجه نحو التصنيع الدفاعي وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي العسكري، بالتوازي مع بناء شبكات نفوذ إقليمية عبر دعم حلفاء خارج الحدود.

ورغم أن هذا المسار دعم بعض الأنشطة الصناعية، يرى اقتصاديون أن أثره بقي محدوداً على الاقتصاد المدني الأوسع مقارنة بحجم الموارد التي استثمرت فيه.

الغاز: الفرصة الضائعة في الأثناء، كان نطاق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران يتوسع تدريجياً، على خلفية قضايا شملت سياسات طهران الإقليمية واتهامات بدعم جماعات مسلحة خارج حدودها، إضافة إلى مخاوف متزايدة بشأن برامج الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية.

وتشرح نادرة شاملو أن هذا النوع من القيود بدأ بالظهور منذ تسعينيات القرن الماضي، حين فرضت الولايات المتحدة قيوداً على استثمارات الشركات الأجنبية في قطاع الطاقة الإيراني، وإن لم تفرض في تلك المرحلة حظراً على شراء النفط الإيراني نفسه. وتضيف أن هذه السياسات دفعت العديد من الشركات الدولية إلى الاختيار بين السوق الإيرانية والسوق الأمريكية، لترجح الكفة في معظم الحالات لمصلحة الأخيرة نظراً لحجمها وأهميتها.

كما قيّدت العقوبات قدرة إيران على استغلال ثروتها الغازية، رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطي في العالم. إذ جاء اكتشاف وتطوير أكبر حقول الغاز الإيرانية في التسعينيات، في ظل القيود الأمريكية التي حدّت من استثمارات الشركات الأجنبية ونقل التكنولوجيا، ما أعاق تطوير القطاع على نطاق واسع، وأبقى الاستفادة من الغاز محصورة إلى حد كبير في السوق المحلية دون تحويله إلى مصدر رئيسي للصادرات أو العائدات.

بحلول عام 2010، أصبحت العقوبات الثانوية أكثر تشدداً وانتشاراً، إذ استهدفت بشكل مباشر القطاع المصرفي وقنوات التمويل والتجارة، في سياق تصاعد القلق الدولي من البرنامج النووي الإيراني.

وتوضح شاملو أن هذه العقوبات لم تقتصر على حرمان إيران من الوصول إلى الأسواق الأمريكية، بل جعلت التعامل معها محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للشركات والمصارف في أوروبا وآسيا، بسبب الخشية من أن يؤدي أي تعامل مع إيران إلى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

2012: بداية الركود التضخمي تزامن ذلك مع تصاعد القلق الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، في ظل اتهامات لها بعدم الإفصاح الكامل عن بعض الأنشطة النووية.

ورغم تأكيد طهران المتكرر أن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 55 دقيقة
منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 28 دقيقة
منذ 59 دقيقة
منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 19 ساعة
قناة العربية منذ 5 ساعات
قناة يورونيوز منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 3 ساعات
قناة العربية منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 13 ساعة
قناة العربية منذ 3 ساعات