2026.. عام اختبار طرق البحر الأحمر وسوق الشحن العالمية

مع بداية عام 2026، تجد صناعة شحن الحاويات العالمية نفسها أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها مؤشرات التفاؤل الحذر مع واقع تشغيلي لا يزال معقّداً، لا سيما فيما يتعلق بإمكانية العودة إلى البحر الأحمر وقناة السويس. ويأتي هذا في وقت تحاول فيه السوق إعادة ضبط توازنها بعد سنوات من الاضطرابات التي أعادت رسم خريطة التجارة البحرية العالمية.

فعلى الرغم من تزايد الحديث عن تحسّن نسبي في بعض الظروف، لا تزال عودة الملاحة إلى مساراتها التقليدية غير محسومة، وسط مخاوف من أن تؤدي أي عودة سريعة أو غير منسّقة إلى تقلبات حادة في سوق الشحن العالمية، الذي لا يزال هشاً أمام أي تغيّر مفاجئ في أنماط التشغيل.

سفن عملاقة الشحن البحري العالمي «ميرسك» تعود لطريق البحر الأحمر

بين التحسّن التدريجي واستمرار عدم اليقين

تشير قراءات السوق إلى أن العام الجديد قد يشكّل مرحلة انتقالية أكثر من كونه عودة فعلية إلى الاستقرار. فالتطورات الأخيرة في حركة السفن وقرارات شركات الملاحة أضافت مزيداً من التعقيد إلى المشهد، دون أن تُحدث تحولاً جذرياً في التوازن القائم بين العرض والطلب، خصوصاً على الخطوط الرئيسية بين آسيا وأوروبا.

ولا يزال العامل الأمني في البحر الأحمر يشكّل نقطة ارتكاز رئيسية في أي قرار تشغيلي. فبعد أكثر من عامين من تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح نتيجة المخاطر الأمنية، لا تزال شركات الشحن تتعامل مع المنطقة بحذر، في ظل اعتبارات تتعلق بالتأمين، وتكاليف التشغيل، واستقرار الجداول الملاحية، إضافة إلى تأثير هذه العوامل على الالتزامات التعاقدية طويلة الأجل.

وتجمع تحليلات القطاع على أن مرور عدد محدود من السفن أو تحسّن مؤقت في الأوضاع لن يكون كافياً لدفع السوق نحو عودة شاملة. بل إن أي عودة واسعة النطاق ستتطلب مؤشرات استقرار طويلة الأجل وشروطاً أكثر وضوحاً قبل إعادة توجيه طاقات كبيرة عبر قناة السويس، بما يسمح لشركات الشحن بإعادة هيكلة شبكاتها بثقة أكبر.

في هذا السياق، لا ينحصر القلق في مسألة العودة بحد ذاتها، بل في توقيت هذه العودة وكيفية إدارتها، نظراً لما قد تسببه من إعادة ترتيب سريعة في توازن العرض والطلب داخل سوق الشحن العالمية، في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

سفينة نقل الحاويات «إيبا» التابعة لشركة ميرسك تبحر في مياه الخليج العربي-4 يوينو 2022

خطر صدمة مفاجئة في الطاقة الاستيعابية

أحد أبرز التحديات التي يراقبها محللو الشحن يتمثل في الطاقة الاستيعابية الكامنة في السوق. فقد أدّت التحويلات الطويلة حول جنوب إفريقيا إلى إطالة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 10 و15 يوماً، وهو ما امتص جزءاً كبيراً من الطاقة المتاحة وساهم في تشديد المعروض خلال الفترة الماضية، حتى في ظل تباطؤ نسبي في نمو الطلب.

غير أن هذا الوضع قد ينقلب بسرعة في حال حدوث عودة واسعة النطاق إلى قناة السويس. إذ إن تحرر هذه الطاقة، بالتزامن مع دخول سفن جديدة جرى طلبها خلال سنوات الازدهار السابقة، قد يدفع السوق سريعاً من حالة التوازن الهش إلى فائض في المعروض، خصوصاً على الخطوط الرئيسية بين آسيا وأوروبا، التي تُعد الأكثر حساسية للتغيرات السريعة في الطاقة.

وتحذّر تحليلات صادرة عن شركة «زينيتا» (Xeneta)، المتخصصة في تحليل بيانات الشحن البحري، من أن هذا السيناريو قد يفرض ضغوطاً فورية على أسعار الشحن الفورية، ويؤدي إلى تقلبات حادة قد تفاجئ كلاً من شركات الشحن وأصحاب البضائع، لا سيما إذا جرى تسعير العقود على افتراض استمرار ظروف الشح الحالية لفترة أطول.

كما تشير التحديثات السوقية الأخيرة إلى أن التقلبات لا تزال السمة الأبرز لسوق الحاويات مع بداية 2026. فعلى الرغم من تراجع الأسعار الفورية في بعض الخطوط، لا تزال الشبكات التشغيلية تعاني من عدم الكفاءة الناتج عن طول المسارات، وتكرار التعديلات على الجداول، وارتفاع تكاليف التشغيل في بعض المناطق.

الأثر الإقليمي المحتمل لعودة المسار

على المستوى الإقليمي، من شأن أي عودة تدريجية ومنظمة للملاحة عبر البحر الأحمر أن تنعكس بشكل إيجابي على الأسواق المرتبطة بالمسار. وبالنسبة لدول الخليج، يُتوقع أن يسهم تقليص زمن العبور وتحسّن موثوقية الجداول في تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد ودعم أنشطة الموانئ والخدمات اللوجستية، بما يعزز موقع المنطقة كمركز محوري في حركة التجارة البحرية العالمية.

كما قد يوفر هذا التحسن التشغيلي قدراً أكبر من الاستقرار في التخطيط اللوجستي، ويمنح الشركات الإقليمية مرونة أفضل في إدارة المخزون وسلاسل التوريد، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي والبنية التحتية المتقدمة التي تتمتع بها الموانئ الخليجية.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العودة المحتملة للمسار ليس فقط كعامل يؤثر على التكاليف، بل كعنصر داعم لاستقرار التدفقات التجارية وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات اللوجستية على المدى المتوسط.

«جسر موسى».. ممر يعيد تشكيل اقتصاد البحر الأحمر

إعادة تقييم استراتيجيات العقود

في ضوء هذه المتغيرات، أعادت احتمالات إعادة فتح طرق البحر الأحمر تسليط الضوء على استراتيجيات التعاقد في قطاع الشحن. فبعد سنوات من الاضطرابات والتحويلات القسرية، قد تؤدي أي عودة تدريجية إلى إعادة رسم العلاقة بين السوق الفورية والعقود طويلة الأجل، في بيئة تتسم بتقلبات أعلى من المعتاد.

وترى تحليلات «زينيتا» أن المرونة ستبقى عاملاً حاسماً خلال 2026، سواء من خلال تقصير مدد العقود، أو الاعتماد على آليات تسعير أكثر ارتباطاً بالمؤشرات، أو تنويع خيارات الشحن، بهدف تقليل مخاطر الارتباط بأسعار لا تعكس واقع السوق في حال تغيّر التوازن بسرعة.

وحتى في حال زيادة عدد الخدمات العابرة للبحر الأحمر، من المرجّح أن تستمر إعادة هيكلة الشبكات وتعديل دورات السفن في التأثير على موثوقية الجداول خلال المراحل الأولى لأي انتقال، ما يجعل عام 2026 عاماً لإدارة التحوّل أكثر من كونه عام عودة كاملة إلى الاستقرار.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 16 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 16 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 16 دقيقة