دراسة تكشف السبب.. لماذا لا يسعد البعض بالموسيقى؟

تُعدّ الموسيقى واحدة من أكثر التجارب الإنسانية ارتباطًا بالمشاعر، إذ تحرّك الذاكرة، وتثير الفرح أو الحزن، وتُستخدم وسيلة للتعبير والتواصل الاجتماعي عبر الثقافات. لكن على عكس هذا التصور الشائع، تكشف أبحاث علمية حديثة أن فئة صغيرة من الناس لا تشعر بأي متعة عند الاستماع إلى الموسيقى، رغم امتلاكهم سمعًا طبيعيًا وقدرة كاملة على اختبار مشاعر المتعة في أنشطة أخرى.

هذه الحالة تُعرف علميًا باسم "انعدام التلذذ الموسيقي النوعي" (Specific Musical Anhedonia)، وقد تناولتها دراسة منشورة في مجلة Trends in Cognitive Sciences التابعة لـCell Press، أعدّها باحثون من جامعة برشلونة، من بينهم العالِمان جوسيب ماركو-بالاريس وإرنست ماس-هيريرو.

وتوضح الدراسة أن المشكلة لا تكمن في الأذن أو في القدرة على تمييز الألحان، بل في ضعف التواصل بين الشبكات الدماغية المسؤولة عن معالجة الصوت وتلك المرتبطة بنظام المكافأة في الدماغ. فبينما يتفاعل دماغ هؤلاء الأشخاص بشكل طبيعي مع أصوات الموسيقى، لا يتم تفعيل الدوائر العصبية المرتبطة بالمتعة والمكافأة، وهي الدوائر نفسها التي تنشط عند تناول الطعام أو تحقيق ربح مالي.

وتُظهر صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن نشاط نظام المكافأة لدى هؤلاء الأشخاص يكون منخفضًا عند الاستماع إلى الموسيقى، لكنه يعود إلى طبيعته عند التعرض لمحفزات ممتعة أخرى، ما يؤكد أن الخلل انتقائي ومحدد بالموسيقى فقط، وليس فقدانًا عامًا للقدرة على الشعور بالمتعة.

ولفهم هذه الظاهرة بدقة، طوّر الباحثون أداة تقييم تُعرف باسم استبيان مكافأة الموسيقى في برشلونة (BMRQ)، يقيس مدى ارتباط الموسيقى بالمتعة عبر خمسة أبعاد، تشمل: الاستجابة العاطفية، وتحسين المزاج، والرغبة في الحركة أو الرقص، والارتباط الاجتماعي، والسعي لاكتشاف موسيقى جديدة. وقد سجّل الأشخاص المصابون بانعدام التلذذ الموسيقي درجات منخفضة في جميع هذه الجوانب.

وتشير النتائج إلى أن المتعة ليست حالة ثنائية، بل طيف واسع يعتمد على كيفية ترابط الشبكات العصبية المختلفة. ويؤكد الباحثون أن هذه الفكرة قد تساعد في فهم حالات أخرى مشابهة، مثل انعدام التلذذ بالطعام أو ضعف الاستجابة للمكافآت الاجتماعية، وهو ما قد يكون له انعكاسات على دراسة الاكتئاب والإدمان واضطرابات الأكل.

كما أظهرت دراسات توأمية حديثة أن العوامل الوراثية قد تفسر ما يصل إلى 54% من الفروق الفردية في الاستمتاع بالموسيقى، إلى جانب تأثير البيئة والخبرات الحياتية.

آفاق بحثية أوسع

ويرى الباحثون أن فهم هذه الظاهرة قد يفتح الباب لاكتشاف أنواع أخرى من "انعدام التلذذ النوعي"، وربما تطوير تدخلات مستقبلية تساعد على إعادة تنشيط هذه الروابط العصبية. لكن حتى الآن، يبقى الأهم هو إدراك أن عدم الاستمتاع بالموسيقى ليس غرابة ولا خللًا نفسيًا، بل اختلاف عصبي مشروع في طريقة عمل الدماغ.


هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة الرابعة

منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
قناة السومرية منذ 6 ساعات
قناة السومرية منذ 7 ساعات
موقع رووداو منذ ساعتين
عراق 24 منذ ساعة
قناة السومرية منذ 13 دقيقة
قناة الرابعة منذ 16 ساعة
قناة السومرية منذ 12 ساعة
عراق أوبزيرڤر منذ 8 ساعات