«مؤشر البيتزا» وإرهاصات الحروب.. لماذا يجتمع قادة البنتاغون الآن؟

بينما تغرق شوارع واشنطن في هدوئها المعتاد، وتُطفأ أنوار المكاتب التقليدية، تظل نافذة واحدة في مبنى «البنتاغون» العملاق مشرعة على احتمالات الحرب والسلم، لكن، وفي مفارقة مذهلة، قد لا تأتي الإشارة الأولى لقرار عسكري وشيك من منصات الصواريخ أو عبر الشفرات الدبلوماسية المعقدة، بل من خلف مقود دراجة توصيل تحمل صناديق البيتزا الساخنة.

مشهد اليوم يقرأ ما يقف خلف هذه الوجبات السريعة المختبئة في أروقة وزارة الدفاع، نعم هناك ما يمكن قراءته، فهناك يكمن «مؤشر البيتزا»؛ ذلك الجاسوس الغذائي الصامت الذي نجح في كشف كواليس ما يخطط له قادة البنتاغون في غرف صناعة القرار، محولاً «عجين البيتزا» إلى ميزان حرارة يقيس درجة غليان الأزمات العالمية قبل أن تصل إلى شاشات الأخبار.

نعم، ولا تعجب، ففي قلب واشنطن، حيث تُصاغ أخطر القرارات العسكرية خلف جدران سميكة وغرف مغلقة، يظهر مؤشر غير تقليدي لا ترصده الأقمار الصناعية ولا تنقله البيانات الرسمية، لكنه كثيراً ما يسبق العناوين العريضة، هو «مؤشر البيتزا».

كيف؟

فحين تمتد ساعات الليل داخل أروقة البنتاغون، وتبقى فرق التخطيط والاستجابة في مواقعها دون انقطاع، تبدأ صناديق الكرتون في التكدس عند المداخل، لتتحول وجبة سريعة إلى إشارة سلوكية تثير فضول المحللين والصحفيين حول ما يُحضَّر في غرف صناعة القرار.

وبين الطرافة والجدية، يكشف «مؤشر البيتزا» جانباً خفياً من كواليس العمل داخل وزارة الدفاع الأميركية، حيث قد تسبق رائحة الجبن المذاب قرارات تغيّر ملامح المشهد الجيوسياسي العالمي.

مؤشر البيتزا

وفي وقتٍ تراقب فيه الأسواق العالمية شاشات التداول وتحركات الذهب والنفط، يتجه بعض المحللين الجيوسياسيين إلى مؤشر غير تقليدي، لا يظهر على منصات التداول ولا في بيانات البنوك المركزية، بل أمام مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) حيث تتكدس صناديق البيتزا.

عاد ما يُعرف بـ«مؤشر البيتزا» (The Pizza Meter) إلى الواجهة مجدداً بوصفه أداة تحليل سلوكية غير رسمية، تربط بين الارتفاع المفاجئ في طلبات البيتزا خلال ساعات الليل المتأخرة وبين احتمالات تصعيد عسكري أو سياسي وشيك، وعلى الرغم من طابعه غير العلمي، اكتسب المؤشر شهرة واسعة في الأوساط الإعلامية والاستخباراتية بوصفه «منبهاً مبكراً» يسبق الإعلانات الرسمية عن العمليات العسكرية الكبرى.

ما هو مؤشر البيتزا؟

يقوم المؤشر على رصد الزيادات غير الطبيعية في طلبات البيتزا المتجهة إلى البنتاغون ومؤسسات سيادية أخرى في واشنطن، مثل البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية (CIA)، خصوصاً خلال ساعات الليل.

ويُفسر هذا السلوك على أنه انعكاس مباشر لبقاء كبار المسؤولين العسكريين والمحللين داخل مكاتبهم لفترات مطوّلة لإدارة أزمة طارئة، ما يستدعي الاعتماد على وجبات سريعة لا تتطلب مغادرة المباني الحساسة.

الجذور التاريخية.. فرانك ميكس يكشف ما خلف الكواليس

بدأ التوثيق الفعلي لهذا المؤشر في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، من خلال فرانك ميكس (Frank Meeks)، مالك سلسلة تضم 45 فرعاً لـ«دومينوز بيتزا» في العاصمة الأميركية.

وبحسب تقارير صحفية وأرشيفية موثقة، شهدت فروعه قفزات حادة في الطلبات قبيل أحداث مفصلية في التاريخ العسكري الأميركي، أبرزها:

غزو بنما (1989): ارتفاع ملحوظ في الطلبات الواردة من محيط البنتاغون ليلة انطلاق العملية.

حرب الخليج الأولى عاصفة الصحراء (1991): تسجيل 101 طلب بيتزا في ليلة واحدة قبيل بدء القصف الجوي، مقارنة بمتوسط طبيعي لا يتجاوز 50 طلباً.

ويُنقل عن ميكس قوله في تصريح شهير لصحيفة واشنطن سيتي: «كنا نعرف أن شيئاً ضخماً سيحدث قبل أن تعلنه CNN بساعات».

لماذا البيتزا؟.. المنطق اللوجستي والسلوكي خلف «وجبة الأزمات» لم يكن اختيار البيتزا كـ«وقود» لغرف صناعة القرار في واشنطن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع فريد بين الضرورات العملية والقيود الأمنية الصارمة داخل «غرف العمليات» (Situation Rooms)، ويُرجع المحللون هذا التفضيل إلى ثلاثة اعتبارات استراتيجية: المرونة التشغيلية وسهولة الاستهلاك: تُعد البيتزا الوجبة المثالية لبيئة العمل المكثف؛ حيث تتيح للمخططين العسكريين والمحللين ميزة «الأكل أثناء العمل»، فهي لا تتطلب أدوات مائدة معقدة، ما يسمح للمسؤول بتناولها بيد واحدة، بينما تظل اليد الأخرى مشغولة بمراجعة الخرائط الحساسة أو متابعة التقارير الاستخباراتية على الشاشات دون انقطاع. البروتوكولات الأمنية والخصوصية: في مبنى بحجم البنتاغون، يمثل دخول الغرباء تحدياً أمنياً كبيراً، وهنا تبرز ميزة البيتزا؛ إذ يتم تسليم الشحنات عند البوابات الأمنية الخارجية، ما يحافظ على سرية ما يدور في الداخل ويمنع اختلاط طواقم التوصيل بالموظفين في المناطق المحظورة، وهو ما يضمن بقاء «المطبخ السياسي» بعيداً عن الأعين. كفاءة الطاقة والقدرة على الحشد: تجمع البيتزا بين السرعة في التحضير والتكلفة الزهيدة مقارنة بالوجبات الفاخرة، ما يجعلها الخيار الأكثر كفاءة لإطعام فرق عمل ضخمة (Task Forces) تضطر للبقاء في نوبات عمل ليلية ماراثونية، فهي توفر طاقة سريعة للموظفين تحت ضغط ذهني وعصبي هائل، دون الحاجة لهدر الوقت في مغادرة المكاتب أو انتظار وجبات معقدة. وسائل تتبع مبتكرة

ومع تطور التكنولوجيا، انتقل «مؤشر البيتزا» من الملاحظة الميدانية إلى التحليل الرقمي للبيانات اللحظية.

ففي عام 2024، تداول ناشطون على منصة X (تويتر سابقاً) صوراً ولقطات شاشة من Google Maps تُظهر ارتفاع مؤشر «الازدحام» (Busy Signal) في مطاعم مثل Domino s وPapa John s القريبة من البنتاغون، حيث سُجلت مستويات «أكثر ازدحاماً من المعتاد» خلال ساعات الفجر، بالتزامن مع فترات توتر في الشرق الأوسط.

وأعاد هذا التطور إحياء الجدل حول ما بات يُوصف إعلامياً بـ«الجاسوس اللذيذ».

الانعكاسات الاقتصادية: من غرف العمليات إلى وول ستريت

لا يقتصر أثر المؤشر على المجال العسكري، بل يمتد إلى الأسواق المالية العالمية، حيث يربطه بعض المستثمرين بعدة تحركات متكررة:

النفط: أي إشارة لزيادة نشاط البنتاغون تُفسر كمخاطر محتملة على الإمدادات، ما ينعكس غالباً بارتفاع أسعار الخام.

الذهب: تاريخياً، يسبق تصاعد المؤشر تدفق السيولة نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب الجيوسياسي.

الأسواق المالية: يراقب بعض المتداولين السلوك غير الطبيعي في واشنطن لاستشراف اتجاهات التقلب قبل افتتاح الأسواق الرسمية.

ورغم محاولات البنتاغون لاحقاً التخفيف من دلالات هذا السلوك عبر تفريق الطلبات أو الحد من الطلبات الجماعية فإن السلوك البشري يظل قابلاً للرصد.

ويؤكد «مؤشر البيتزا» حقيقة باتت راسخة في علم الاقتصاد السلوكي والتحليل الجيوسياسي، مفادها أن البيانات السلوكية قد تكون أحياناً أسرع وأكثر صدقاً من البيانات الرسمية.

كيف نحصل على «مؤشر البيتزا»؟

لا تملك شركات البيتزا الأميركية، وعلى رأسها «دومينوز بيتزا»، مؤشراً رسمياً أو أداة تحليل معلنة يمكن من خلالها تتبع ما يُعرف إعلامياً بـ«مؤشر البيتزا»، ومع ذلك، يعتمد صحفيون وباحثون في الشأن الجيوسياسي على استخلاص هذا المؤشر بصورة غير مباشرة، عبر قراءة السلوك الرقمي والبيانات المفتوحة المرتبطة بنشاط فروع البيتزا المحيطة بمقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).

الطريقة الأكثر شيوعاً في الوقت الراهن تعتمد على مراقبة بيانات Google Maps، وتحديداً مؤشر الازدحام اللحظي (Busy Indicator) للفروع القريبة من البنتاغون في ولاية فرجينيا، ويكتسب هذا المؤشر دلالته عندما يُسجل ارتفاعاً غير معتاد خلال ساعات الليل المتأخرة أو قبيل الفجر، في أيام لا تشهد عطلات رسمية أو أحداثاً رياضية كبرى، ما يعزز فرضية وجود نشاط غير اعتيادي داخل المؤسسات السيادية.

ولا يقتصر الرصد على خرائط غوغل فقط، بل يمتد إلى منصات طلب الطعام الإلكترونية، حيث يُراقَب زمن التوصيل المتوقع للفروع ذاتها.

ويُعد الارتفاع المفاجئ في زمن التوصيل، من معدلات طبيعية تتراوح بين 30 و40 دقيقة إلى ساعة أو أكثر خلال الليل، إشارة سلوكية إضافية على ضغط طلب غير معتاد، غالباً ما يرتبط بزيادة ساعات العمل داخل المكاتب الحكومية الحساسة.

في موازاة ذلك، يلجأ بعض الصحفيين إلى متابعة الحسابات المحلية لفروع البيتزا على منصات التواصل الاجتماعي، مثل منصة «X» أو «فيسبوك»، حيث تظهر أحياناً إشارات غير مباشرة عن «ليالٍ مزدحمة» أو «طلبات متأخرة»، وهي تعبيرات تبدو اعتيادية في ظاهرها، لكنها تكتسب أهمية خاصة عند تكرارها في توقيتات سياسية حساسة.

مقياس سلوكي

ومن خلال تجميع هذه الإشارات، يُبنى ما يشبه «مقياساً سلوكياً» غير رسمي، حيث يُنظر إلى النشاط الليلي الطبيعي بوصفه الحالة الأساسية، بينما يُفسر الارتفاع المتواصل لعدة ساعات بعد منتصف الليل كإشارة تحذيرية تستدعي الانتباه، لا سيما إذا تزامنت مع مؤشرات جيوسياسية أخرى.

ويؤكد محللون أن «مؤشر البيتزا» لا يُستخدم كأداة قائمة بذاتها، بل يُقرأ دائماً ضمن سياق أوسع يشمل تطورات وزارة الدفاع الأميركية، وحركة العقود الآجلة للنفط، واتجاهات الذهب، وتقلبات الأسواق المالية العالمية، فالمؤشر، في جوهره، لا يتنبأ بالأحداث بقدر ما يكشف عن تغير مفاجئ في السلوك المؤسسي.

وتخلص هذه المقاربة إلى أن «مؤشر البيتزا» ليس سوى مثال حي على قوة البيانات السلوكية في عالم التحليل الحديث، حيث يمكن لإشارات يومية بسيطة مثل طلبات طعام ليلية أن تتحول إلى أداة قراءة مبكرة لما يدور خلف الأبواب المغلقة، في زمن باتت فيه المعلومة تتحرك أسرع من البيانات الرسمية.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعة
منذ 47 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 23 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 21 ساعة