لم تعد المناطق الحرة في دبي تُقرأ بوصفها بوابات إجرائية لتأسيس الشركات، بل باتت جزءاً فاعلاً من البنية التشغيلية للاقتصاد نفسه. فمع دخول الإمارة مرحلة أكثر نضجاً في نموذجها التنموي، تغيّر دور هذه المناطق من «نقطة بدء قانونية» إلى أداة اقتصادية تختصر الزمن، وتسرّع التوسع، وتعيد تعريف معنى الدخول إلى السوق.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأشمل الذي تعمل ضمنه دبي، حيث يجري تصميم الاقتصاد ليعمل كمنصة تشغيل متكاملة، تُقاس فيها جاذبية السوق بقدرتها على تحويل الشركة الناشئة إلى كيان قابل للتوسع الإقليمي، وليس فقط بقدرتها على جذب التأسيس. في هذا النموذج، تصبح المناطق الحرة جزءاً من منطق النمو نفسه، لا مجرد إطار تنظيمي محايد.
قراران جديدان للمالية الإماراتية بشأن ضريبة الشركات في المناطق الحرة
المناطق الحرة داخل أجندة D33
تعمل المناطق الحرة والتي وصل عددها لأكثر من 30 منطقة وتمثل 99 % من إجمالي عدد الشركات في الإمارة اليوم داخل إطار «أجندة دبي الاقتصادية D33» بوصفها أداة تنفيذ عملية لأهداف طموحة، أبرزها مضاعفة حجم اقتصاد دبي خلال عشر سنوات، وترسيخ مكانتها بين أفضل ثلاث مدن اقتصادية عالمياً، ضمن أجندة تتضمن نحو 100 مشروع تحولي تستهدف إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد، وتوسيع التجارة الخارجية، وتعزيز موقع الإمارة كمركز أعمال عالمي.
هذه الأهداف لا يمكن بلوغها من خلال تسريع الإجراءات فقط، بل عبر إعادة تصميم بيئة التأسيس والتشغيل بما يتلاءم مع طبيعة شركات الجيل الجديد، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة العابرة للحدود، التي تتطلب نماذج تنظيمية مرنة وقدرة عالية على التوسع السريع.
في هذا السياق، لم يعد التأسيس محطة منفصلة بين التخطيط والتشغيل، بل خطوة ضمن مسار نمو متكامل. فمرونة الترخيص، واتساع نطاق الأنشطة، وإمكانية الإدارة عن بُعد، لم تعد تفاصيل تنظيمية ثانوية، بل أدوات تشغيل تُستخدم لتقليص زمن الدخول إلى السوق، وخفض كلفة التوسع، وربط الشركة منذ انطلاقتها بالأسواق الإقليمية والعالمية.
وتبرز «هيئة المنطقة الحرة الدولية» (IFZA) كنموذج يعكس هذا التحول، إذ لا يُختزل دورها في تسجيل الشركات، بل في توفير إطار تنظيمي مرن يخدم الشركات الصغيرة والمتوسطة العابرة للحدود، التي تعمل عند تقاطع التجارة والخدمات والاستشارات والتقنية، كنماذج أعمال مركّبة لا كنشاطات منفصلة.
الإمارات.. 158 ألف ترخيص في المناطق الحرة بنمو 33%
لماذا تناسب قطاعات معينة في دبي؟
لا تنبع أهمية القطاعات التي تتركز داخل المناطق الحرة من كونها «الأكثر رواجاً»، بل من انسجامها البنيوي مع منطق تقليص زمن الدخول إلى السوق الذي تعتمده دبي. فالتجارة الإلكترونية، على سبيل المثال، لا تعمل كنشاط بيع رقمي فقط، بل كمنظومة تشغيل تشمل إدارة المخزون، والخدمات اللوجستية، والمدفوعات، وخدمة عملاء متعددة اللغات، ما يجعل بيئة المناطق الحرة ملائمة لطبيعتها المركّبة.
ويتعزز هذا الدور بفعل التركيبة السكانية الفريدة للإمارة، إذ يضم مجتمع دبي سكاناً من أكثر من 200 جنسية، ما يحوّل السوق المحلي إلى مختبر اختبار فعلي للنماذج والمنتجات والخدمات، ويمنح الشركات القدرة على قياس الطلب وتعديل استراتيجياتها قبل التوسع إلى أسواق إقليمية أوسع.
الأمر ذاته ينطبق على الأغذية والمشروبات، التي تستفيد من موقع دبي كمركز عالمي لالتقاء سلاسل التوريد واتجاهات الاستهلاك، وعلى السياحة والخدمات الفندقية التي تقوم على تشغيل التجربة لا مجرد تسويقها. كما يعمل قطاع الاستشارات العقارية في دبي كنظام معلومات وتحليل أكثر من كونه نشاط بيع مباشر، في حين يتخذ التسويق الرقمي طابعًا إقليميًا بطبيعته مع استخدام دبي كنقطة انطلاق نحو الخليج والمنطقة.
أما الاستيراد والتصدير، فيمثل التعبير الأوضح عن هوية دبي الاقتصادية، حيث تُمارس التجارة بوصفها منظومة حلول بين الشركات تشمل الامتثال والتنظيم والخدمات اللوجستية. ويتكامل ذلك مع قطاع التقنية وخدمات تقنية المعلومات، في وقت تتجه فيه دبي إلى بناء اقتصاد قائم على البنية التحتية الرقمية، مدعومًا باستثمارات في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
الزمن
ما يجري في دبي لا يتعلق بتكاثر المناطق الحرة، بل بإعادة تعريف وظيفتها الاقتصادية. فهذه المناطق لم تعد واجهات تنظيمية لتسهيل التأسيس، بل أدوات تشغيل تُستخدم لاختصار الزمن، وتسريع التوسع، وربط الشركات بالأسواق.
وفي ظل احتدام المنافسة الإقليمية على جذب الأعمال ورؤوس الأموال، يبدو أن الرهان الحقيقي لدبي لا يقوم على تقديم حوافز شكلية، بل على تسويق عنصر نادر في عالم الأعمال: الزمن.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
