دَوْلَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ.. الدَّوْلَةُ الْمُزْدَوَجَةُ عَبْقَرِيَّةُ الْهَجِينِ الإِيرَانِيِّ وَحُدُودُ صَلَابَتِهِ

دَوْلَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ.. الدَّوْلَةُ الْمُزْدَوَجَةُ

عَبْقَرِيَّةُ الْهَجِينِ الإِيرَانِيِّ وَحُدُودُ صَلَابَتِهِ

الدكتور ثائر العجيلي

المقدمة :

لم تُبنَ دولة ولاية الفقيه في إيران بوصفها نظامًا دينيًا تقليديًا، ولا كدولة ثورية عابرة، بل كـ تركيب سياسي مركّب جرى تصميمه بعناية ليجمع بين نقيضين:

من جهة، نظام مؤسساتي حديث يستعير أدوات الدولة الديمقراطية الغربية؛ دستور، برلمان، انتخابات، حكومة، وقضاء.

ومن جهة أخرى، سلطة فردية ثيوقراطية طائفية شيعية اثني عشرية مطلقة تتمركز في موقع المرشد، وتمسك فعليًا بمفاصل القرار الأمني والعسكري والقضائي والإعلامي.

هذا البناء لم يكن تناقضًا عرضيًا، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا هدفه إنتاج دولة قادرة على التكيّف مع الأزمات، وتبادل الأدوار بين وجهيها حسب الظرف:

وجه مؤسساتي يمتص الغضب، ويفاوض الخارج، ويدير الصراعات السياسية؛

ووجه عقائدي أمني يتقدّم عند الخطر، يحسم، ويقمع، ويحمي جوهر النظام وهويته المذهبية.

اليوم، ومع اتساع الاحتجاجات وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين، لم تعد الأزمة محصورة في أداء حكومة أو فشل اقتصادي، بل طالت منطق الدولة نفسه.

فالقمع غير المسبوق أعاد طرح سؤال الشرعية، وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "المساعدة قادمة" أعادت تفعيل سردية التهديد الخارجي، فيما يراقب الاتحاد الأوروبي والعالم مشهدًا تتداخل فيه انتفاضة داخلية مع احتمال ضربة عسكرية وشيكة، في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.

انطلاقاً من هنا، لا تحاول هذه المقالة التنبؤ بسقوط النظام أو بقائه، بل تسعى إلى تفكيك هندسة الدولة المزدوجة الإيرانية، وفهم عبقريتها وحدودها، ثم رسم السيناريوهات الواقعية لمصيرها في هذه اللحظة المفصلية.

كيف صُمّمت؟

لماذا صمدت طويلًا؟

وأين تبدأ حدود صلابتها عندما يتراكم الدم، ويختل التوازن بين المؤسسات والفرد، بين الداخل والخارج، وبين البقاء والإصلاح؟

أولًا: مبادرة خاتمي وتغيير الموقع الوظيفي للمرشد من الداخل

(من "سيادة مطلقة" إلى "مرجعية منضبطة")

لم يكن محمد خاتمي شخصية ساذجة ولا إصلاحية رومانسية كما جرى تسويقه لاحقًا، بل كان يدرك بدقة طبيعة النظام الذي يعمل داخله. مبادرته الأساسية لم تستهدف إسقاط ولاية الفقيه، بل إعادة تعريف موقع المرشد وظيفيًا داخل الدولة. الفكرة لم تكن ثورية في ظاهرها، لكنها كانت جذرية في مضمونها:

نقل المرشد (الخطر الأخطر الذي لا يُقال علنًا) من موقع الحاكم التنفيذي-الأمني-السياسي المباشر إلى موقع مرجعي أعلى، رقابي وتحكيمي، شبيه بالملك الدستوري أو المرجعية الكاثوليكية ذات الثقل الأخلاقي لا الحكم اليومي.

خطورة هذه المبادرة لم تكن في خطابها، بل في نتائجها المحتملة. فهي تضرب مباشرة العمود الفقري للسلطة الحقيقية، أي الشبكة التي تمسك بالدولة فعلًا: الحرس الثوري، القضاء، الإعلام، والباسيج. كما أنها تفصل لأول مرة بين "الشرعية الدينية" بوصفها رمزًا، و"إدارة الدولة" بوصفها ممارسة سياسية قابلة للمساءلة. هذا الفصل، لو كُتب له الاستمرار، كان سيفتح الباب أمام تطور طبيعي نحو سيادة مؤسسات، ومحاسبة فعلية، وتداول حقيقي للسلطة داخل النظام.

لكن النظام أدرك مبكرًا المعادلة الخطرة:

أي تحجيم لوظيفة المرشد يعني بداية تفكيك الدولة العميقة نفسها.

من هنا جاء الرد سريعًا وحاسمًا: إجهاض المشروع، تحييد خاتمي سياسيًا، ثم تفريغ مفهوم "الإصلاح" من مضمونه، إلى أن تحوّل لاحقًا إلى مجرد أداة تجميلية لا تمس جوهر السلطة. فشلت المبادرة لا لأنها خاطئة، بل لأنها كانت سابقة لوقتها في نظام لم يكن مستعدًا بعد للمساس بمركز ثقله.

ثانيًا: عبقرية "الدولة المزدوجة"..هندسة القوة لا تناقضها

(الهجين الذي لا يسقط بسهولة)

لفهم سبب فشل الإصلاح، لا بد من فهم طبيعة الدولة الإيرانية نفسها. الدولة ذات الوجهين:

دولة ديمقراطية شكليًا ثيوقراطية فعليًا

ما نحن أمامه فعلياً ليس دولة ثيوقراطية تقليدية ولا دولة ديمقراطية ناقصة، بل دولة مزدوجة صُممت عبقرياً بوعي كامل. دولة ذات وجهين متكاملين، لا متناقضين: وجه ديمقراطي مؤسساتي شكلي، ووجه ثيوقراطي فردي يمسك بالسلطة الحقيقية.

الوجه الأول، المؤسسي، يتجسد في الدستور، البرلمان، الانتخابات، الحكومة، الأحزاب، والصحافة النسبية. هذا الوجه يُستخدم لامتصاص الغضب الشعبي، إدارة الصراعات الداخلية، التفاوض مع الخارج، وتحميل الفشل السياسي والاقتصادي للحكومة لا للنظام. إنه واجهة الدولة الحديثة القابلة للتعامل الدولي.

أما الوجه الثاني، فهو جوهر السلطة الفعلي: المرشد، الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، القضاء العقائدي، والباسيج. هذا الوجه لا يُستدعى يوميًا، بل يظهر عند الخطر، ويتولى الحسم والقمع وضبط الإيقاع وكسر الشارع، وحماية "جوهر النظام" وهويته العقائدية.

عبقرية هذا النموذج تكمن في تبادل الأدوار حسب الظرف. عند الانفتاح يتقدم الوجه المؤسسي، وعند الخطر ينسحب ليظهر الوجه العقائدي، وعند الفشل تُضحّى بالحكومة، وعند التهديد الوجودي يُستدعى القمع بلا سقف. لذلك يصبح إسقاط الحكومة ممكنًا، وإصلاح النظام مستحيلًا، وكسر الدولة بالغ الصعوبة. أنت لا تواجه نظام حكم واحدًا، بل منظومة ذات طبقتين تحمي إحداهما الأخرى.

ثالثاً: اللحظة الراهنة ..اختبار التصميم لا الشارع

(الدم كاشف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
قناة السومرية منذ 14 ساعة
قناة الرابعة منذ 19 ساعة
عراق أوبزيرڤر منذ 19 ساعة
قناة السومرية منذ 13 ساعة
قناة السومرية منذ 18 ساعة
موقع رووداو منذ 14 ساعة
قناة السومرية منذ 17 ساعة
قناة السومرية منذ 8 ساعات