ضريبة الثروة في تونس.. محاولة لتخفيف عبء الدين العام

أقرت تونس ضريبة جديدة على الثروة تستهدف أصحاب الثروات الكبيرة، في مسعى إلى توسيع القاعدة الضريبية والتخفيف من الضغوط المتزايدة على المالية العامة، في وقت تواجه فيه البلاد مستويات مرتفعة من الدين العام وعجزاً مستمراً في الموازنة.

ويأتي هذا التوجه، بحسب ما أورده موقع AGBI، في أعقاب قرار تونس قطع علاقاتها مع «صندوق النقد الدولي» (IMF) في فبراير من العام الماضي. وكانت تونس، التي تُعد من أكثر الدول مديونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قد رفضت تنفيذ إصلاحات اشترطها الصندوق مقابل حزمة قروض بقيمة 1.9 مليار دولار كانت مطروحة في عام 2023، ومن بينها خفض الدعم.

عوائد السياحة في تونس ترتفع إلى نحو 2.7 مليار دولار خلال 2025

تأثيرها على المالية العامة

صادق البرلمان التونسي على ضريبة الثروة في ديسمبر الماضي ضمن قانون المالية لعام 2026. وبموجب التشريع الجديد، يُلزم المقيمون في تونس بدفع ضريبة بنسبة 0.5% على الأصول المحلية والأجنبية التي تتراوح قيمتها بين 3 ملايين دينار تونسي (نحو مليون دولار أميركي) و5 ملايين دينار، إضافة إلى ضريبة بنسبة 1% على الأصول التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين دينار.

وأفادت وكالة الأنباء الرسمية التونسية بأن الضريبة تشمل العقارات المملوكة للمقيمين، باستثناء المسكن الرئيسي، إلى جانب «الأملاك المنقولة» داخل البلاد وخارجها. كما تخضع الأصول التجارية للضريبة، في حين تُستثنى «أصول الأعمال». وتشمل الأملاك المنقولة أصولاً مثل الأسهم والسندات والعملات المشفرة، وفقاً لشركة المحاسبة التونسية «لوكا باتشيولي» (Luca Pacioli).

ورغم التوقعات بأن تسهم الضريبة في تعزيز الإيرادات، يحذر خبراء اقتصاديون من محدودية أثرها المالي على المدى القصير. وقالت ريم العيّادي، رئيسة «الجمعية الأورومتوسطية لخبراء الاقتصاد»، إن «الزيادة المتوقعة في إيرادات الدولة من ضريبة الثروة ستكون متواضعة جداً على المدى القصير، إلا أن تطبيقها بشكل سليم من شأنه توسيع القاعدة الضريبية، بما ينسجم مع هدف حكومي يتمثل في تعزيز العدالة الاجتماعية».

وحذرت العيّادي من أن فرض الضريبة قد يدفع بعض الأثرياء إلى نقل إقامتهم أو أصولهم إلى الخارج، ما قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال. لكنها أشارت في المقابل إلى مكاسب محتملة على المدى الأطول، موضحة أن الضريبة «تسهم في تحسين الرؤية حول الأصول التي يمتلكها الأفراد الأثرياء، وتُدخل ممارسات أكثر دقة في تقييم الثروات، كما تعزز ثقافة التصريح السنوي».

وأضافت: «إذا نُفذت الضريبة بشكل صحيح، يمكن أن تسهم في الحد من التهرب الضريبي. كما أن ارتفاع الإيرادات قد يقلل من اعتماد تونس على الاقتراض، شريطة أن يقترن ذلك بزيادة كفاءة وشفافية الإنفاق الحكومي».

المقر الرئيسي للبنك المركزي التونسي في تونس، فبراير 2011

مساهمة جزئية في سد العجز

وتأتي ضريبة الثروة الجديدة استكمالاً لضريبة بنسبة 0.5% فُرضت في عام 2023 على العقارات التي تتجاوز قيمتها 3 ملايين دينار. وقد أسفر هذا الإجراء عن تحقيق إيرادات بنحو 555 مليون دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بحسب وكالة «فيتش» (Fitch) للتصنيف الائتماني. وإذا جرى احتسابها على أساس سنوي كامل، فمن المتوقع أن تصل الإيرادات إلى نحو 740 مليون دينار، أي ما يعادل نحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقال توماس غارو، مدير تصنيفات الشرق الأوسط وإفريقيا في «فيتش»، إن «هذا المستوى من الإيرادات ليس ضئيلاً، لكنه لا يكفي لسد فجوة احتياجات التمويل السنوية لتونس، والتي تظل مرتفعة». وأضاف أن تقدير الإيرادات السنوية المتوقعة من ضريبة الثروة الجديدة يظل أمراً صعباً في ظل غياب بيانات تفصيلية حول حجم الثروات وتوزيع الأصول في البلاد.

ومن المتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في تونس نحو 80% هذا العام، ما يجعلها خامس أعلى نسبة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لتوقعات وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» (S&P Global). وكان عجز الموازنة قد بلغ 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي.

ضغوط ضريبية تعقّد الإصلاح المالي

ولا تزال الاختلالات الهيكلية في الإنفاق العام تشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة. وقالت العيّادي إن «تونس تعاني قيوداً هيكلية طويلة الأمد في الإنفاق، ولا سيما في ما يتعلق بكتلة الأجور في القطاع العام والدعم، وهي إصلاحات يصعب تنفيذها». وكانت هذه القضايا في صلب الخلاف المستمر مع «صندوق النقد الدولي»، الذي ربط دعمه المالي بخفض الدعم وإصلاح النظام الضريبي.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تسجل تونس معدلاً مرتفعاً نسبياً للإيرادات الضريبية. فبحسب بيانات «البنك الدولي» (World Bank)، بلغ معدل الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي 24.6% في عام 2022، وهو من بين الأعلى في الدول ذات الدخل المتوسط، مقارنة بنسبة 18% خلال العقد الأول من الألفية. وقد تحقق هذا الارتفاع أساساً من خلال زيادة ضرائب الدخل الشخصي ومساهمات الضمان الاجتماعي، في مقابل خفض ضريبة الشركات إلى 15 في المئة.

وأكدت العيّادي أن «ضريبة الثروة تمثل محاولة لإعادة التوازن في النظام الضريبي، وتوزيع العبء بشكل أكثر عدالة بين الضرائب المفروضة على دخل العمل وتلك المفروضة على دخل رأس المال».

زيادات الأجور في تونس 2026.. إنصاف للموظفين أم وقود جديد للتضخم؟

الاقتراض الحكومي ومزاحمة القطاع الخاص

وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، من المتوقع أن تلجأ تونس إلى اقتراض ما يصل إلى 11 مليار دينار (نحو 3.8 مليار دولار) خلال العام الحالي عبر الأسواق المالية المحلية والبنوك، باستثناء التمويل قصير الأجل وتمويل البنك المركزي، وفقاً لتقديرات «فيتش». ويعادل هذا نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ9% العام الماضي و10% في عام 2024. وكانت «فيتش» قد رفعت التصنيف الائتماني لتونس في العام الماضي.

غير أن الاعتماد المكثف على الاقتراض المحلي لا يخلو من آثار جانبية أوسع، إذ يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على التمويل، في ظل تفضيل البنوك إقراض الدولة نظراً لانخفاض المخاطر مقارنة بإقراض الشركات. ويؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمار الخاص وتقييد نمو الناتج المحلي الإجمالي، بحسب غارو، الذي أشار إلى أن «لهذه الديناميكية أيضاً آثاراً غير مباشرة على معدلات البطالة».


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 36 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 22 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعتين