الريف الأميركي.. ديون خانقة ووظائف تتبخر

يسود القلق أرجاء المناطق الزراعية الأميركية، حيث يواجه المزارعون موسماً آخر من الأسعار المنخفضة للمحاصيل مقابل تكاليف تشغيل باهظة. بدأت البنوك في قطع التمويل عن بعض المزارعين في وقت يحتاجون فيه بشدة إلى السيولة النقدية، بينما يفقد الآلاف وظائفهم نتيجة إغلاق مصانع تعبئة اللحوم وتقليص شركات المعدات لعملياتها. الضغوط داخل اقتصاد الزراعة الأميركي تتفاقم في أنحاء الريف، من جرارات غير مبيعة متكدّسة في ساحات الوكلاء، إلى شركات أعمال زراعية تعلن تراجع أرباحها، في ظل وفرة الإمدادات من الحبوب التي تضغط على الأسواق. تكاليف مرتفعة وربحية أقل أسعار المحاصيل باتت ضعيفة وتكاليف الإنتاج مرتفعة منذ ثلاثة أعوام، ويبدو أن هذا العام لن يكون أفضل، وفق منتجين وخبراء اقتصاد زراعي وجماعات مهنية. وأظهرت أحدث بيانات حكومية نهائية هذا الأسبوع إنتاجًا أعلى من المتوقع، مع وصول مخزونات الذرة في ديسمبر كانون الأول إلى مستوى قياسي وهو ما قد يكون إشارة تحذير جديدة على انخفاض أسعار المحاصيل وربحية المزارع.

قال شيرمان نيولين، وهو مزارع محاصيل صفّية في إلينوي ومحلل أسواق لدى «ريسك مانجمنت كوموديتيز»:" تتحدث إلى المزارعين فيقولون: لا نعرف ماذا سنفعل. أعرف بنوكًا ترفض مزارعين، ومزارعين يقولون إنهم غير قادرين على سداد قرض التشغيل للعام الماضي. الوضع محبط للغاية هنا. الرسوم الجمركية وأنتج المزارعون الأميركيون محاصيل ضخمة من الذرة وفول الصويا الخريف الماضي، ما زاد من تخمة الحبوب عالميًا. كما خسر مزارعو فول الصويا مليارات الدولارات من المبيعات إلى الصين، أكبر مشترٍ لفول الصويا في العالم. واتجه منتجو الأعلاف الحيوانية في الصين إلى موردين في أميركا الجنوبية لتجنّب الرسوم التي فرضتها بكين على الواردات الأميركية ردًا على رسوم ترامب.

ورحّب المزارعون بحزمة المساعدات الأخيرة البالغة 12 مليار دولار، لكن المنتجين والاقتصاديين قالوا إن هذه الأموال لن تكفي لعكس أضرار الأسعار المنخفضة وفرص التصدير الضائعة.

ومع تصاعد الضغوط المالية، تضغط جماعات المزارعين من أجل رؤية طويلة الأجل أوضح للوقود الحيوي وسياسات تجارية تساعد على توسيع الصادرات. ويقول اقتصاديون إن رسالة الريف الأميركي تزداد صراحة: إذا أراد صانعو السياسات من المزارعين الاستمرار في الزراعة وسط أسعار منخفضة وتكاليف مرتفعة، فعليهم تقديم أكثر من حلول مؤقتة.

ومن المتوقع أن تبقى تكاليف الإنتاج -ولا سيما الأسمدة- مرتفعة لعام آخر، مع فواتير مدخلات مؤلمة، كما يضيق الوصول إلى الائتمان، ما يصعّب على المزارعين الحصول على القروض القصيرة الأجل اللازمة لشراء المستلزمات وزراعة محاصيل الربيع. وقال رئيس جمعية فول الصويا الأميركية سكوت ميتزغر: «المدخلات ستكون باهظة بشكل فلكي.. كلفة زراعة المحاصيل هذا العام أعلى». محاصيل غير مربحة تتوقع وزارة الزراعة الأميركية ارتفاع إجمالي تكاليف إنتاج الذرة بنحو 3% في 2026 مقارنة بـ2025، وزيادة تكاليف فول الصويا 3.1%. وفي المقابل، قُدّرت متوسطات أسعار الذرة المسوّقة هذا العام عند 4.10 دولار للبوشل، وفول الصويا عند 10.20 دولار للبوشل وكلاهما أقل من مستويات 2023.

وبحسب تحليل رويترز لبيانات الوزارة، يحتاج المزارعون إلى أسعار 5.03 دولار للبوشل للذرة و12.80 دولار للبوشل لفول الصويا لمجرد التعادل.

وقال تشاد هارت، خبير الاقتصاد الزراعي بجامعة ولاية آيوا: «لا يوجد محصول يمكنك الإشارة إليه والقول: هنا فرصة ربح. كل شيء تحت الماء الآن». ويزداد المقرضون حذرًا. فقد قالت «كو بنك»، إحدى أكبر جهات الإقراض الزراعي في أميركا، إن جودة الائتمان في محفظتها تدهورت في الربع الثالث، مع قلق من ضعف أسعار السلع وارتفاع تكاليف المدخلات. وسجّلت 129 مليون دولار كمخصصات لخسائر ائتمانية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، مقارنة بـ6 ملايين دولار قبل عام. ألم مالي للمزارعين الأميركيين لا يزال الحجم الكامل للضغوط المالية غير واضح، جزئيًا بسبب إغلاق حكومي دام 43 يومًا العام الماضي وأخّر بيانات اتحادية مهمة عن الدخل والديون والميزانيات. لكن الوقت نفد بالفعل لبعض المشغلين، خصوصًا مزارعي المحاصيل الصفّية. وأظهرت سجلات المحاكم الأميركية أن 293 مزارعًا أو عملية زراعية تقدّموا بطلبات إفلاس بموجب الفصل 12 خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، بزيادة تقارب 36% عن إجمالي 2024.

ورغم أن الإفلاس مؤشر متأخر للضغط المالي، وأن الحالات تمثل نسبة صغيرة من المنتجين، فإن الفصل 12 -المصمم لمساعدة المزارعين على إعادة هيكلة الديون والبقاء- يقود الآن إلى مزيد من تصفيات المزارع، بحسب محامي الإفلاس الزراعي جو فايفر. فمع انخفاض الأسعار وارتفاع التكاليف، لا سبيل لبقاء بعض المنتجين. وفي سوق المعدات، تراجعت مبيعات الجرارات العام الماضي بنحو 10%، بينما هوت مبيعات الحصادات بأكثر من 35%، وفق رابطة مصنّعي المعدات. ويلجأ كثير من المزارعين لإطالة عمر المعدات القديمة. ووجد تيري غريفن، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة كانساس ستيت، أن عدد حرائق الحصادات في كانساس ارتفع مع تراجع دخول المزارع.

وقال: «الأمر يشبه امتلاك سيارة قديمة دون مال لصيانتها.. تحتاج إلى مال للحفاظ على معداتك». فقدان وظائف ريفية سرّحت شركة «ديري آند كو» أكثر من 2000 موظف عبر ثمانية مصانع أميركية منذ 2023. وقالت AGCO منتصف 2024 إنها تخطط لخفض نحو 6% من قوتها العاملة (التي بلغت 24 ألفًا بنهاية 2024).

وأعلنت CNH تسريحات بمئات الوظائف في مينيسوتا ونورث داكوتا وويسكونسن العام الماضي، مشيرة إلى ضعف الطلب وارتفاع تكاليف المواد المرتبطة جزئيًا بسياسات الرسوم التي يتبعها ترامب.

وقد يخسر الريف الأميركي مزيدًا من الوظائف في المدارس والمستشفيات والهيئات المحلية التي تعتمد عليها الأسر الريفية لدفع الفواتير وتجاوز سنوات الزراعة السيئة، بحسب الخبير الاقتصادي جوناثان كوبِس من جامعة إلينوي. فخفض برنامج «ميديكيد» بحدة وتقليص التأمين الصحي قد يرفع عدد غير المؤمن عليهم ويضغط على المستشفيات الريفية، بينما قد تواجه ولايات يقودها ديمقراطيون صعوبات بسبب تجميد ترامب لإعانات رعاية الأطفال ومساعدات الأسرة. (رويترز)


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 26 دقيقة
قناة العربية - الأسواق منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 7 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 19 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 دقيقة