مطالبة المجلس الانتقالي الجنوبي بتصنيف مماثل لحزب الإصلاح الذراع السياسية لـ"الإخوان" باليمن على قائمة الإرهاب، ليس أمرًا مباغتًا إنما استجابة ضرورية وملحة للمقاربة الأميركية الجديدة.وقد ألمّح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو إلى أن تصنيف "الإخوان" هو بمثابة "مرحلة أولى"، بما يعني احتمالات التوسع في الإجراء العقابي ذاته ليشمل عدة فروع إقليمية أخرى. ومن ثم، إنجاح "الجهد المتواصل والمستدام لإحباط أعمال العنف والأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها هذه الفروع أينما وقعت".
ولئن ثمّن المجلس الانتقالي الجنوبي، قرار واشنطن بتصنيف "الإخوان" كمنظمات إرهابية، مؤكدًا أن الخطوة هي تطور مهم يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا لخطورة الدور الذي تلعبه الجماعة، فإن المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، قال إن "تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان يعد خطوة منقوصة الفاعلية ما لم يشمل إخوان اليمن".
"جدارية الدم الإخوانية"وفي حديثه لـ"المشهد"، أوضح الكاتب والباحث السياسي اليمني شكري باعلي أن "جدارية الدم الإخوانية" في اليمن لا يمكن اعتبارها أحداثًا عابرة أو انحرافات ظرفية في مسار العمل السياسي، بل هي تعبير عن مشروع طويل الأمد انتهجه التنظيم الإسلاموي لجهة تفكيك الدولة الوطنية وإدامة الصراع، مستخدمًا الدين والحزبية كأدوات لإنتاج العنف، وإشعال الحروب، وتهيئة بيئات خصبة للتطرف والإرهاب، بما ألحق دمارًا عميقًا بالدولة والمجتمع.
المحطة الأولى في هذا السياق، كانت في مرحلة ما بعد إعلان الوحدة اليمنية بالتسعينيات، إذ لم يتعامل تنظيم "الإخوان" بوصفه فاعلًا سياسيًا طبيعيًا، بل شرع في توظيف الدين داخل الصراع السياسي، وتوليد خطاب تكفيري استهدف الخصوم، وعلى رأسهم الحزب الاشتراكي اليمني وتصفية كوادره، بحسب الكاتب والباحث السياسي اليمني، ومن ثم تصنيف الشريك السياسي كـ"عدو عقائدي" تجب محاربته.
المحطة الثانية: هي حرب 1994 وشرعنة القتل حيث بلغت الأزمة ذروتها بإصدار فتاوى دينية لشرعنة القتل باسم "الجهاد"، وأباحت دماء الجنوبيين، في سابقة خطيرة دمجت الفتوى الدينية بالحسم العسكري، وجرى استقدام عناصر متطرفة عائدة من أفغانستان، على صلة بتنظيم القاعدة، واستخدامها في الحرب ضد الشريك السياسي، ما أدى إلى تدمير الشراكة الوطنية، وتكريس نهج تصفية الخصوم بالقوة، وفتح الباب أمام نهب منظم ومأسسة العنف.المحطة الثالثة: هي مرحلة ما قبل 2011 مباشرة مع صعود التحالف بين "الإخوان" وقوى إرهابية تخديدا بين القيادي الإخواني المطلوب أميركيا عبد المجيد الزنداني مع شبكات تنظيم القاعدة، في علاقة وظيفية استخدم فيها الإرهاب كـ"ورقة ضغط سياسية"، حيث تم تدوير مطلوبين أمنيًا ومنحهم غطاءً حزبيًا واجتماعيًا، ودمج بعضهم في الحياة العامة تحت مسميات قبلية أو سياسية، ما حول مناطق واسعة إلى حواضن للتطرف، وسمح بتمدد الجماعات الإرهابية وتنفيذ عمليات هزّت الداخل والخارج، في ظل حماية سياسية غير معلنة.المحطة الرابعة: ثورة 2011 وإدارة الفوضى مع اندلاع الاحتجاجات، انخرط التنظيم في عسكرة الحراك الشبابي والسيطرة عليه، بدل الدفع نحو انتقال مؤسسي منظم. فتحولت الثورة من مشروع تغيير سلمي إلى ساحة صراع وتصفية حسابات عبر الاغتيالات والفوضى، وجرى فتح المجال أمام "الحوثيين" للظهور في ساحات التغيير، بما أسهم في شرعنتهم سياسيًا بعد أن كانوا جماعة متمردة، وأسهم في تعطيل مسار الدولة.المحطة الخامسة: سقوط صنعاء 2014 حيث تكشفت ملامح انسحابات غامضة من مؤسسات الدولة في الشمال، انتهت بتسليم صنعاء لـ"الحوثيين". وعلى الرغم من امتلاك التنظيم نفوذًا عسكريًا معلنًا، لم تُستخدم هذه القوة في الدفاع عن الدولة، ما عزز الشكوك حول صفقات سياسية غير معلنة. أدى ذلك إلى سقوط العاصمة وفتح الباب أمام حرب شاملة، أعادت رسم تموضع التنظيم من داخل السلطة إلى خارجها.المحطة السادسة: إشعال الجنوب بعد 2015 إثر تموضع "الإخوان" ضمن التحالف العربي، ومن ثم، انتقل التنظيم إلى إدارة الصراع في الجنوب عبر تغذية الفوضى الأمنية والحروب الخدمية، في محاولة لإرباك المناطق المحررة ومنع استقرارها، كما هو الحال في عدن. بالتوازي مع استهداف جهود مكافحة الإرهاب، ما عمّق معاناة السكان وأبقى البلاد رهينة صراعات مفتوحة. تأزيم الوضع في اليمن
وعليه، فجماعة "الإخوان" ساهمت من خلال تخادمها السياسي مرة مع "الإخوان" ومرات أخرى مع تنظيمي القاعدة و"داعش" الإرهابيين في تأزيم الوضع في اليمن على حساب الدولة واستقرارها. ومن هنا، برز الدور الإماراتي بوصفه "عنصرًا حاسمًا" في مكافحة التنظيمات الإرهابية وإعادة ضبط المشهد الأمني، غير أن هذا المسار قوبل بـ"محاولات ممنهجة" لإشعال الجنوب عبر إدخال المحافظات المحررة في دوامة من الفوضى الأمنية والحروب الخدمية، وفق الكاتب والباحث السياسي اليمني شكري باعلي.
وفي هذا السياق، جاء التنسيق بين الإمارات والقوات المسلحة الجنوبية لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه، في مقابل سعي قوى الصراع إلى عرقلة الاستقرار وإطالة أمد المعركة، وفق المصدر ذاته. وتابع باعلي: "وعلى خط موازٍ، أعاد تنظيم "الإخوان" تموضعه في محافظات مثل شبوة ومأرب وتعز، حيث جرى عسكرة المجتمع والقبيلة، ورفض أي تشكيلات عسكرية أو أمنية تعمل ضمن إطار الدولة أو التحالف العربي خارج نطاق سيطرته، بما كرّس الانقسام وأبقى هذه المناطق رهينة للصراع المستمر".
ومع تقدّم الدور الإماراتي الهادف إلى بناء نماذج أمنية مستقرة على غرار "النخبة الحضرمية" و"النخبة الشبوانية"، برز مشروع لتأسيس "النخبة المأربية" ضمن رؤية تستهدف ضبط السلاح وإنهاء عسكرة المجتمع والقبيلة.غير أن هذا المقترح قوبل بالرفض من قبل قوى حزبية نافذة، باعتباره يخرج عن نطاق إدارتها المباشرة ويهدد نفوذها العسكري والسياسي، بحسب باعلي، وقد أسهم هذا الرفض في تعطيل حسم المعركة في مأرب والمناطق المجاورة، وإطالة أمد الحرب، بما يخدم حسابات حزبية ضيقة على حساب الأهداف الإستراتيجية للتحالف العربي، بحسب باعلي.وأردف: "إلا أنه ومع تقليص الدور الإماراتي الميداني ضمن التحالف العربي في عام 2019، اتجهت تلك القوى إلى توظيف مختلف الأدوات لنزاع وحروب طويلة بلا أفق وطني جامع، هدفها تكريس الهيمنة الحزبية وإدامة الصراع، بما يعمّق الانقسامات، ويفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب والخطر على وحدة المجتمع ومستقبل الدولة".
ومع خروج القوات الجنوبية من نطاق المنطقة العسكرية الأولى، وهي المنطقة العسكرية التي كانت تمثل "شريانًا رئيسًا" لإمداد "الحوثيين"، تصاعد غضب قوى الإسلام السياسي التي سارعت إلى إعادة إحياء تحالفات قديمة، شملت أطرافًا من "الحرس القديم بالسعودية، واستُخدم فيها التصعيد العسكري، بما في ذلك الضربات الجوية، في مواجهة القوات الجنوبية"، وفق الكاتب والباحث اليمني شكري باعلي، مشددًا على أن الهدف هو "تقويض الدور الإماراتي في مكافحة الإرهاب، عبر استهداف القوات والمعدات الإماراتية والمطالبة بخروجها من مسار العمليات، ما أتاح فراغًا أمنيًا استغلته الجماعات الإرهابية للعودة مجددًا بمناطق عدة، أبرزها أبين وشبوة، في مؤشر واضح على رعاية غير مباشرة لبيئات التطرف والعنف. وقد أفضت هذه السياسات إلى نتائج عكسية، أعادت الإرهاب إلى واجهة المشهد بعد أن كان قد تراجع بفعل جهود مكافحة حاسمة".(المشهد)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
