بغداد / عراق اوبزيرفر
تشهد الساحة الإعلامية العراقية في الآونة الأخيرة بروز ظاهرة لافتة تتمثل بتنامي حضور إعلاميين ومدونين لبنانيين في تغطية الشأن العراقي ليس بوصفه ملفاً خارجياً بل كمساحة داخلية يخاض فيها السجال السياسي اليومي وتعاد صياغة رواياته وخطابه.
هذا الحضور المتزايد الذي يتجلى بوضوح عبر انتقال مؤسسات إعلامية لبنانية مثل قناة الميادين إلى بغداد، ونشاط منصات وشبكات أخرى في أربيل من بينها قناة شمس (التي يملكها مسعود بارزاني ويديرها اعلاميون لبنانيون)، يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الانخراط وحدوده، وما إذا كان مجرد توسع مهني وإعلامي طبيعي، أم أنه يعكس أدواراً تتجاوز النقل والتحليل إلى الترويج المباشر أو غير المباشر لجهات سياسية عراقية بعينها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إطلاق أو توسع منصات عربية كبرى مثل الجزيرة العراق والعربية العراق، ما يعكس تصاعد الاهتمام العربي بالعراق إعلامياً وسياسياً.
لم يعد الحضور المتزايد للإعلاميين العرب لاسيما اللبنانيين في المشهد العراقي مجرد تفصيل إعلامي عابر، بل بات مؤشراً على تحولات سياسية وإقليمية أعمق ، وفق ما يؤكده المحلل السياسي عادل العماش.
وقال عادل العماش الباحث في الشأن السياسي لـ عراق اوبزيرفر إن انتقال قنوات كبرى مثل الميادين إلى بغداد، وافتتاح مكاتب دائمة لمنصات مثل الجزيرة العراق والعربية العراق، يعكس حقيقة أن العراق لم يعد هامشاً خبرياً، بل تحوّل إلى ساحة مركزية للقرار والتأثير في المنطقة.
وأوضح أن ما يجري في بغداد اليوم بات ينعكس بشكل مباشر على ملفات حساسة، أبرزها التوازن الإيراني الأميركي، وأمن الخليج، ومستقبل ما يُعرف بمحور المقاومة، إضافة إلى أسواق الطاقة والسياسات الإقليمية، مشيراً إلى أن الإعلام يتقدم دائماً إلى حيث يتقدم الصراع الحقيقي .
وأضاف العماش أن الإعلام اللبناني تحديداً يمثل جزءاً من أدوات الصراع الناعم ، نظراً لامتلاكه مدرسة إعلامية سياسية عريقة ومرتبطة بمحاور واضحة، مبيناً أن وجود إعلاميين مثل حسين مرتضى في بغداد لا يقتصر على نقل الخبر، بل يتجاوز ذلك إلى نقل خطاب سياسي إقليمي بصيغة تحليل مهني، ومحاولة إعادة تفسير الحدث العراقي وفق رؤى خارجية، بما يؤثر على الرأي العام والنخب وصناع القرار.
وبين أن أحد أهم أسباب هذا التمدد الإعلامي الخارجي يعود إلى غياب الرواية الوطنية العراقية الموحدة، وضعف الإعلام المحلي المستقل، وانقسام الخطاب الإعلامي الداخلي، الأمر الذي أوجد فراغاً سمح للإعلام الخارجي بأن يتحدث كأنه عراقي ، ويعرّف مصلحة العراق، ويحدد أولوياته، بل ويرسم صورة الصديق والعدو نيابة عن العراقيين.
وأشار العماش إلى أن هذا الحراك الإعلامي يأتي في سياق سباق مبكر على مرحلة ما بعد التحولات الكبرى في المنطقة، في ظل إعادة رسم النفوذ الأميركي، والضغوط على الفصائل المسلحة، والتحولات المحتملة في النظام السياسي العراقي، والاستحقاقات الانتخابية الحساسة، مؤكداً أن وجود الإعلاميين قبل انفجار الأحداث لا بعده يعكس توقع تطورات كبيرة، ومحاولة مبكرة لتوجيه الرأي العام عند لحظة التحول.
وختم العماش بالقول إن المشهد الحالي يكشف عن خلل في السيادة الإعلامية ، موضحاً أنه حين يشرح الإعلامي اللبناني الواقع العراقي، ويحدد الإعلام الخليجي أو القطري الأولويات، وتصبح القنوات الخارجية هي من تصنع نجوم التحليل، فهذا يعني أن الصراع انتقل من السلاح والأمن إلى الوعي والعقل، وأن العراق يُدار إعلامياً من الخارج أكثر مما يُدار من داخله .
من جهته، يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ عراق اوبزيرفر إن هذا الحضور يمكن قراءته من زاوية إيجابية، مشيراً إلى أن توسيع القنوات العربية داخل العراق يعكس حالة من النهوض الإعلامي، وقد يسهم في تحويل بغداد إلى مركز إعلامي أو نقطة جذب إقليمية .
وأوضح الحبيب أن العراق بات يمتلك قاعدة إعلامية آخذة بالتوسع، ويمكن أن تتحول من قاعدة محلية إلى قاعدة عربية، الأمر الذي من شأنه تعزيز العلاقات بين الدول العربية، لافتاً إلى أن الوضع السياسي العراقي، وموقع العراق الجيوسياسي، وكثرة الأحداث السياسية، تجعل منه محط اهتمام عربي دائم .
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب تنوعاً في الصوت الإعلامي العربي، وإبراز الواقع العراقي بصورة أوسع، خصوصاً أن الأنظار العربية باتت تنظر إلى العراق كمنصة سياسية مؤثرة في المنطقة، بعد سنوات من العزلة.
وأشار الحبيب إلى أن العلاقات العراقية العربية شهدت تحسناً ملحوظاً، لا سيما مع دول الخليج، مؤكداً أن التعاون يجب أن يكون متبادلاً، فكما يعمل إعلاميون عرب داخل العراق، من المهم أيضاً أن تتاح الفرص للإعلاميين العراقيين للعمل في المؤسسات العربية .
في هذا السياق، يبدو موسم الهجرة الإعلامية من لبنان إلى العراق مرتبطاً بتحولات إقليمية معقدة، وبفراغات داخل المشهد الإعلامي العراقي نفسه، سمحت لأصوات خارجية بأن تتصدر السرد وتؤثر في تشكيل الرأي العام.
وبين من يرى في هذه الظاهرة أثراء للتعددية الإعلامية وتبادلاً للخبرات، ومن يحذر من تحول الإعلام العابر للحدود إلى أداة نفوذ سياسي ناعم يبقى السؤال مطروحا هل نحن أمام صحافة عربية تتقاطع همومها أم أمام إعادة تموضع إعلامي يخدم أجندات سياسية محددة تحت غطاء المهنية والتحليل؟
وعند الاجابة على هذ التساؤل لابد من الاخذ بعين الاعتبار، النشاط اللافت لبعض المحللين والاعلاميين اللبنانيين ولعل ابرزهم حسين مرتضى الذي اخذ ينشر احداث الداخل العراقي لدرجة حتى اللقاءات بين الزعامات السياسية بل وانسحابات الضيوف التي تحدث احيانا في البرامج المحلية!
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
