مع تصاعد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية على إيران، خصوصا مع تحركات عديدة جرت في الساعات القليلة الماضية، منها المغادرة الجزئية للقوات الأميركية في قاعدة العُديد الجوية بقطر، وغلق عدد من السفارات الأوروبية بجانب حظر مؤقت في المجال الجوي الإيراني منتصف ليل الأربعاء- الخميس، انبعث الحديث مجددا بشأن مبدأ "وحدة الساحات".تفكك "وحدة الساحات"ولطالما اعتمد النظام الإيراني هذا المبدأ. فثمّة سوابق عديدة لتهديدات "الولي الفقيه" بتحريك وكلائه الإقليميين في عدة مناطق منها العراق واليمن لمهاجمة المصالح الأميركية. إلا أن هذه الشبكة ومنها ميلشيا "الحوثي"، التي ساهمت في عسكرة البحر الأحمر خلال أعوام حروب الظل بين طهران وإسرائيل، تعاني وضعا مأزما منذ ما بعد حرب غزة.
وبحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، فإن العراق يشهد منذ مطلع العام تفككا غير مسبوق لمفهوم وحدة الساحات"، تحت ضغط دولي متزايد ونزعة براغماتية لدى الفصائل الساعية للبقاء، حيث بات السلاح "عبئا سياسيا" أكثر منه مصدر قوة.
وتكشف رسائل طمأنة وجهتها فصائل عراقية إلى واشنطن عن انقسام داخلي وسباق للاندماج في المنظومة السياسية المقبلة، بعيدا عن الاستهداف الأميركي، بالتوازي مع موقف أميركي واضح يشترط إقصاء الميليشيات عن الحكومة القادمة مقابل الغطاء الدولي، وفق المصادر ذاتها.
وفي ظل تراجع النفوذ الإقليمي لطهران في سوريا ولبنان، وشعور الفصائل العراقية بأنها مكشوفة وقابلة للمقايضة في أي تسوية كبرى من قبل طهران، تحوّل شعار "وحدة الساحات" من جبهة هجومية إلى محاولة دفاعية لحماية المصالح الفردية، ما يجعل تفعيله في العراق مستبعدا أمام أولوية النجاة السياسية والاقتصادية داخل "العراق الجديد" الذي تعيد التفاهمات الدولية رسم ملامحه.انقسامات الفصائل
وفي حديثه لـ"المشهد" يقول ضابط المخابرات العراقي السابق سالم الجميلي، إن قراءة المشهد العراقي منذ مطلع عام 2026، تؤشر إلى أن مفهوم "وحدة الساحات" الذي استندت إليه طهران كـ"ذراع إستراتيجية"، يمر بمرحلة تفكك بنيوي غير مسبوق، نتيجة تقاطع الضغوط الدولية مع "براغماتية البقاء" لدى الفصائل المحلية.
ويرى الجميلي أن التطورات الأخيرة ترجح أن العراق يقف أمام مرحلة "إعادة تعريف" كاملة، حيث لم يعد السلاح "ورقة قوة" بقدر ما أصبح "عبئا سياسيا". ويردف: "المعلومات الواردة عن قيام فصيلين عراقيين بإرسال رسائل طمأنة إلى واشنطن تؤكد فيها أن واشنطن "ليست عدوا"، تعكس انقساما حادا داخل صفوف الفصائل، وتكشف عن سباق محموم نحو حجز مقعد في المنظومة السياسية القادمة، بعيدا عن الاستهداف الأميركي".
وقبل أيام، التقى القائم بأعمال السفارة الأميركية في العراق جوشوا هاريس برئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني وهو الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق، حيث شدد هاريس على أنه "لا مكان للميلشيا الإرهابية المدعومة من إيران في الحكومة العراقية المقبلة".تحولات براغماتية
وبالعودة إلى ضابط المخابرات العراقية السابق سالم الجميلي، فيقول إن هذا "التحول البراغماتي" مع القوى الفصائلية التي بعثت برسائل الطمأنة لواشنطن، يتزامن مع رسائل أميركية حاسمة تم إبلاغها للجانب الكردي، وتحديدا خلال لقاء القائم بالأعمال الأميركي مع مسعود البارزاني، ومفادها أن الحكومة العراقية المقبلة لن تحظى بالغطاء الدولي ما لم تكن خالية من الوجود الميليشياوي.
هذا "الفيتو" يضع القوى السياسية والفصائل أمام خيارين لا ثالث لهما: إما "الذوبان الكامل" في هيكلية الدولة، أو مواجهة عزلة دولية واستهداف مباشر لا طاقة لهذه الفصائل بها، خصوصًا في ظل إدارة أميركية يقودها دونالد ترامب، وتيار يمثله نائبه جي دي فانس يميل إلى استثمار الأزمات والاحتجاجات كـ"أوراق ضغط" لتحقيق مكاسب في الملف النووي الإيراني، بدلًا من التورط في خيارات عسكرية تقليدية.
وعليه، فإن "وحدة الساحات" التي كانت تُقدّم كـ"جبهة هجومية" موحدة، تراجعت اليوم لتصبح محاولة للدفاع عن المكتسبات الخاصة لكل فصيل على حدة، وفق الجميلي الذي يقول إن تآكل الشبكات الإقليمية في سوريا ولبنان جعل الفصائل العراقية تشعر بأنها "مكشوفة"، وأن طهران قد لا تتردد في استخدام ملف الفصائل ضمن أوراقها "للـمقايضة" في أي تسوية كبرى مع واشنطن لضمان استقرار نظامها.في المحصلة، ثمّة مشهد يغلب عليه "تأمين المصالح"، حيث بدأت الفصائل تدرك أن الشعارات العقائدية لا تحمي المقاعد البرلمانية أو الإمبراطوريات الاقتصادية، مما يجعل تفعيل "وحدة الساحات" في العراق أمرا مستبعدا في ظل رغبة الجميع في النجاة الفردية داخل إطار "العراق الجديد" الذي ترسم ملامحه التفاهمات الدولية الكبرى، بحسب ما يوضح ضابط المخابرات العراقي السابق سالم الجميلي.بدائل أقل كلفةيتفق والرأي ذاته الناشط السياسي العراقي المستقل وسام ياسين، والذي يرى أنه بعد تقلّص نفوذ إيران في المنطقة، وتعرّضها لضربات إسرائيلية وأميركية متتالية، ومقتل عدد من أبرز قادتها وقادة الأجنحة المسلحة الموالية لها، دخل المشهد الإقليمي مرحلة جديدة انعكست مباشرة على سلوك الفصائل العراقية.ويقول ياسين لـ"المشهد" إن التهديدات الأميركية المتواصلة لطهران، والمتوقَّع تصاعدها خلال الفترة المقبلة، ساهمت في دفع تلك الفصائل إلى إعادة حساباتها إزاء خيار المواجهة مع واشنطن، والبحث عن بدائل أقل كلفة، أبرزها التفكير في نزع السلاح والانتقال إلى العمل السياسي بدل العسكري.
وبالفعل، شاركت غالبية الفصائل العراقية في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة تحت مسميات جديدة، رغم احتفاظها بالبنية القيادية ذاتها المرتبطة بالتنظيمات المسلحة، وهو أمر تدركه واشنطن جيدًا، حسب ما يوضح ياسين. ومن المرجح أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطا مكثفة على القوى السياسية العراقية لمنع هذه الفصائل من الانخراط في الحكومة المقبلة، كما يشير الناشط السياسي العراقي المستقل، وهو ما يمكن عدّه أحد الأسباب الرئيسة وراء تعثّر الاتفاق حتى الآن على تسمية رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية.
أما الرسائل التي وجّهها فصيلان عراقيان إلى واشنطن، فيمكن عزوها إلى وجود مؤشرات "خوف وتسليم بالأمر الواقع" الذي فرضته الولايات المتحدة، خصوصاً بعد إعادة انتشار القوات الأميركية وإخلاء عدد من قواعدها التي كانت تُعد أهدافًا محتملة للفصائل، بحسب المصدر ذاته. وعليه، فمع تقلّص هذه الأهداف، باتت مقار الفصائل وقادتها مكشوفة بالكلية، ما جعلها هدفًا محتملًا لضربات أميركية دقيقة في أي وقت، من دون خشية أي ردود فعل هجومية للقوى الميلشياوية، الأمر الذي عزّز "مناخ الردع" ودفع الفصائل إلى انتهاج مقاربات أكثر حذرًا وبراغماتية.(المشهد)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
